المغرب وإسبانيا: شراكة استراتيجية لا تقبل التوظيف الانتخابي

المغرب وإسبانيا: شراكة استراتيجية لا تقبل التوظيف الانتخابي
تهنئة عيد العرش

يمثل الموقف المغربي من التطورات الأخيرة في العلاقات مع إسبانيا رسالة سياسية واضحة: الرباط متمسكة بالشراكة الاستراتيجية وحسن الجوار، لكنها ترفض أن تتحول إلى طرف يُحمل مسؤولية أزمات داخلية أو إلى ورقة في التنافس الانتخابي والإعلامي الإسباني. ويقوم هذا الموقف على الجمع بين الدفاع عن السيادة الوطنية، والمطالبة بالاستناد إلى الوقائع، والحفاظ على قنوات التعاون الأمني والاقتصادي والهجروي بين البلدين.
نفي الاتهامات والتمسك بالوقائع
جاء التوضيح المغربي في سياق الاتهامات المرتبطة بوقائع العبور غير النظامي نحو سبتة في أواخر يوليوز. وأكدت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أنه لا توجد معطيات أو وقائع أو تقارير تثبت أي تورط للسلطات المغربية في تلك الأحداث، رافضة أن يُقدم المغرب بوصفه المسؤول الجاهز عن كل أزمة مرتبطة بالهجرة أو الحدود.
ولا تقتصر الرسالة على نفي مسؤولية ظرفية، بل تعبر عن رفض مبدئي لتحويل المغرب إلى «كبش فداء» في صراعات سياسية داخلية بإسبانيا، أو إلى «أصل تجاري» قبيل الاستحقاقات الانتخابية. وفي هذا المعنى، يرى أستاذ العلاقات الدولية محمد زكريا أبو الذهب أن الرباط تدعو إلى احترام الالتزامات المتبادلة في محاربة الشبكات الإجرامية، ضمن مناخ من الثقة والشفافية، بعيداً عن الاستغلال السياسي الذي يضر بعلاقات البلدين.
الجغرافيا ثابتة والعلاقة اختيار سياسي
يشدد الخبير المغربي-الأمريكي محمد الدعدوي على أن استحضار وزارة الخارجية لمفهوم الجوار الجغرافي ليس تفصيلا لغويا، بل يحمل دلالة استراتيجية. فالمغرب وإسبانيا جاران لا يمكنهما تغيير الجغرافيا، لكنهما يملكان اختيار طبيعة العلاقة التي تجمعهما: إما تعاون منظم ومصالح مشتركة وأمن متبادل، أو تراكم للشكوك والأزمات.
وتؤكد هذه القراءة أن المغرب لا يريد إدارة علاقته مع مدريد بمنطق ردود الأفعال. فهو يطرح شراكة مبنية على أربعة مرتكزات مترابطة: حسن الجوار، والتفاهم السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتعاون الأمني. وقد شددت الرباط على أنها اختارت، بشكل سيادي، هذا المسار، بما يعني أن علاقاتها مع إسبانيا ليست تنازلا ظرفيا ولا ملفا خاضعاً لتقلبات النقاش الحزبي في الضفة الشمالية للمتوسط.
غير أن هذا الاختيار الاستراتيجي، وفق الدعدوي، يتطلب شجاعة سياسية ورؤية بعيدة المدى. فحين تغيب هذه الرؤية، يمكن للقرب الجغرافي نفسه أن يتحول من عامل تعاون إلى مصدر مزمن لانعدام الثقة والتوترات المتكررة.
الهجرة مسؤولية مشتركة
تبرز قضية الهجرة باعتبارها جوهر الخلاف الأخير، لكنها في المنظور المغربي لا يمكن اختزالها في مراقبة الحدود أو في تحميل طرف واحد مسؤولية تدفقات بشرية معقدة. فالمحلل السياسي الشرقاوي الروداني يلفت إلى أن الظاهرة ترتبط بتحولات ديمغرافية إفريقية، وبنشاط شبكات إجرامية عابرة للحدود، وبالهشاشة الأمنية في منطقة الساحل، وبظهور مسارات جديدة للهجرة غير النظامية.
ومن ثم، فإن المقاربة المطلوبة ليست أمنية ضيقة، بل شاملة ومشتركة، تقوم على تبادل المعلومات ومحاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، واحترام الالتزامات المتبادلة، ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة. وقد أكد المغرب استعداده لمواصلة التعاون المثمر مع إسبانيا في مكافحة الهجرة غير النظامية والشبكات الإجرامية، مع الدعوة إلى تحقيق دقيق في أحداث يوليوز لتحديد الظروف، وكشف أي تلاعب محتمل، ومنع تكرار الوقائع.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة لأن الرباط ترفض اختلالا في توزيع المسؤوليات: فلا يمكن التعامل مع المغرب كشريك ضروري لتدبير المخاطر والهجرة، ثم تحميله المسؤولية مباشرة عند وقوع أزمة من دون أدلة أو تحقيقات مكتملة.
حماية مكاسب شراكة 2022
يرى الأستاذ الجامعي عبد الفتاح الفاتحي أن إدخال العلاقات المغربية-الإسبانية في التجاذبات السياسية قد يحول المكاسب المحققة منذ الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022 إلى مصدر توتر متكرر. فقد ساهمت المرحلة اللاحقة لهذا الإعلان في إعادة بناء الثقة وتعزيز التنسيق بين الرباط ومدريد في ملفات السياسة والأمن والاقتصاد والهجرة.
إن المقاربة المغربية لا تعني وضع الشراكة مع مدريد موضع شك، بل تعني حماية تلك الشراكة من الاستخدام السياسي الظرفي. فكما يوضح الروداني، لا ينبغي أن تخضع علاقة استراتيجية بين بلدين متجاورين للتقلبات الحزبية أو للمزايدات الإعلامية، لأن المصالح المشتركة أكبر من أن تدار بمنطق الأزمة العابرة.
رسالة الرباط إلى مدريد
خلاصة الموقف المغربي هي أن التعاون مع إسبانيا خيار استراتيجي، لكنه لا يمكن أن يستمر بصورة متوازنة إلا إذا اقترن بالثقة والمعاملة بالمثل والاحتكام إلى المعطيات الموضوعية. ويرفض المغرب أن يتحول إلى مادة انتخابية أو إلى طرف يُتهم بلا سند، خصوصا في ملف حساس مثل الهجرة تتداخل فيه مسؤوليات دول المصدر والعبور والاستقبال والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وتبقى الرسالة الأهم أن الشراكة بين الرباط ومدريد تحتاج إلى إدارة بعيدة عن الانفعالات السياسية قصيرة المدى. فالجغرافيا تفرض الجوار، لكن الحكمة السياسية وحدها قادرة على تحويله إلى أمن مشترك وازدهار متبادل، بدلا من تركه رهينة للاتهامات والاصطفافات الداخلية.

عيد العرش 2026
يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد