قبيل الانتخابات التشريعية :ما فائدة المناظرات الإعلاميةالمباشرة بين الزعامات الحزبية ؟

تهنئة عيد العرش

في ظل اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، تبدو المناظرات الإعلامية بين زعماء وقيادات الأحزاب السياسية المغربية أكثر من مجرد حدث انتخابي عابر؛ إنها لحظة سياسية فارقة يمكن أن تعيد ترتيب المشهد برمته، وتمنح المواطن فرصة نادرة للاستماع المباشر إلى المواقف، ومقارنة البرامج، واختبار قدرة الفاعلين الحزبيين على الإقناع بدل الاكتفاء بالشعارات.

فالمناظرة، أو سلسلة من المناظرات، ليست فقط وسيلة للتعريف بالمرشحين، بل أداة ديمقراطية حقيقية قد تغيّر كثيرا من نوايا التصويت، وتدفع المترددين إلى الحسم، كما قد تعيد جزءا مهما من الثقة المفقودة في الأحزاب وقياداتها.

وتزداد أهمية هذا النوع من النقاشات العلنية في السياق المغربي، حيث باتت الفجوة واسعة بين الخطاب السياسي والمواطن، وبين الوعود الانتخابية والنتائج الملموسة.

فالمناظرة تفرض على الأحزاب أن تخرج من لغة العموميات إلى لغة الأرقام والبدائل والاختيارات الواضحة، وأن تشرح للناخب كيف ستواجه مشكلات البطالة والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والحكامة الترابية.

وهي بهذا المعنى لا تخدم فقط التنافس الانتخابي، بل تخدم أيضا الوعي السياسي للمواطن، لأنه سيقف مباشرة على الفوارق بين البرامج، وعلى طبيعة الحلول التي تقترحها كل جهة.

كما أن هذه المناظرات قد تمنح الإعلام العمومي وهجا جديدا، إذا ما أحسن تنظيمها وتقديمها بصيغة مهنية وجاذبة. فالمتابع المغربي، في جزء واسع منه، لم يعد يجد في بعض المواد التقليدية التي يقدمها الإعلام العمومي ما يكفي لاستعادة اهتمامه، في حين أن مناظرة سياسية قوية، متوازنة، وذات مصداقية، يمكن أن تعيد لهذا الإعلام دوره المركزي كفضاء للنقاش العمومي والتأطير الديمقراطي، لا كمجرد ناقل للأخبار أو منصة بروتوكولية.

ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام تفاعل أوسع مع الشأن العام، ويجعل السياسة أقرب إلى الناس وأكثر ارتباطا بحياتهم اليومية.

والتجربة الفرنسية في هذا المجال تكشف بدورها عن قيمة المناظرات الإعلامية، إذ تحضر النقاشات بين المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية باعتبارها محطة حاسمة تسبق الاستحقاق وتؤثر في المزاج العام، وتسمح للناخبين بمقارنة الرؤى والاختيارات في فضاء علني مباشر.

عيد العرش 2026

وفي مثل هذه السياقات، لا يكون الرهان على الخطابة وحدها، بل على القدرة على التفسير والإقناع والرد على الأسئلة الصعبة. وهذه قيمة مضافة يحتاجها المشهد السياسي المغربي اليوم، حتى لا يبقى النقاش الانتخابي أسير الحملات الدعائية القصيرة والانطباعات السريعة.

إن المواطن لا يمكنه أن يختار تصويته على أساس وصلات متناثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها مبتور، وبعضها مختار بعناية قصد تلميع صورة أشخاص أو تشويه آخرين. فالمعركة الانتخابية الجدية لا تُبنى على المقاطع المجتزأة، بل على مواجهة مفتوحة أمام الرأي العام، تتيح سماع البرامج كاملة، ومساءلة أصحابها، ومقارنة البدائل على أساس واضح. ومن هنا، تصبح المناظرات السياسية أداة ضرورية لإعادة الاعتبار للعقل الانتخابي، وتوسيع دائرة الاختيار الواعي.

كما أن تنظيم مناظرات عبر الإعلام العمومي سيمنح الأحزاب فرصة الوصول إلى المواطن في كل مناحي المغرب، من المدن الكبرى إلى المناطق القروية والنائية، وهو ما لا تستطيع التجمعات الحزبية وحدها تحقيقه مهما بلغ عددها أو اتسعت نطاقاتها.

فالإعلام العمومي، إذا استُثمر جيدا، قادر على ضمان المساواة في الظهور، وتكافؤ الفرص في الوصول، وتوسيع قاعدة المتابعة، بما يجعل العملية الانتخابية أكثر عدالة وشفافية.

وفي النهاية، فإن قوة المناظرة لا تكمن فقط في من يفوز فيها، بل في أنها تجعل المواطن شريكا واعيا في الاختيار، لا مجرد متفرج على موسم انتخابي عابر.

 *علي الانصاري

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد