حين ترقص الزعامات الحزبية… وتغيب البرنامج والبدائل

تهنئة عيد العرش

لم يعد السياسي المغربي يكتفي بالمنصة والخطاب واللافتة. فقد انتقل، تدريجياً، إلى فضاء جديد تحكمه الصورة السريعة، والموسيقى، والحركة، وقابلية المقطع القصير للانتشار. ومن هنا يطرح ظهور زعماء حزبيين وهم يرقصون على أنغام محلية سؤالاً يتجاوز الطرافة أو الاستغراب: هل نحن أمام تجديد في التواصل السياسي، أم أمام اختزال للسياسة في مشهد قابل للاستهلاك الرقمي؟

ليس الرقص، في حد ذاته، فعلاً معيباً ولا دليلاً آليا على ابتذال الممارسة السياسية. فالتواصل مع الناس يقتضي أحيانا الاقتراب من لغتهم الثقافية واليومية، والاعتراف بأن السياسة لا تُمارس فقط داخل القاعات المكيفة، بل أيضاً في الفضاءات الشعبية التي تتشكل فيها مشاعر الانتماء والاعتزاز والفرح. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرموز إلى بديل عن النقاش، وحين تصبح الحركة الجسدية أكثر حضورا من الفكرة السياسية.

ظاهرة جديدة أم امتداد؟

لا يمكن اعتبار توظيف الموسيقى والرقص في الحملات الانتخابية المغربية ظاهرة منفصلة تماما عن تاريخ التواصل السياسي. فقد اعتمدت الأحزاب، منذ عقود، على الأهازيج والشعارات الجماعية والاحتفالات الشعبية لاستقطاب الأنصار وإضفاء طابع جماهيري على مهرجاناتها. الجديد اليوم هو أن هذه الممارسات انتقلت من فضاء التجمع إلى فضاء المنصات الرقمية، حيث يمكن لمقطع لا يتجاوز ثواني قليلة أن يصل إلى جمهور أوسع من جمهور مهرجان انتخابي كامل.

وقد بدأت شبكات التواصل الاجتماعي منذ انتخابات سابقة في المغرب تتحول إلى أداة أساسية للدعاية واستمالة الناخبين، قبل أن يتعزز حضورها بشكل أكبر خلال انتخابات 2021، ولا سيما في ظل القيود التي فرضتها جائحة كورونا على التجمعات والأنشطة الميدانية.

أما انتخابات 2026، فتجري في سياق رقمي وقانوني أكثر تعقيدا، بعدما امتدت النقاشات التشريعية إلى الإعلانات السياسية المدفوعة، والأخبار الزائفة، واستعمال الذكاء الاصطناعي للتأثير على إرادة الناخبين.

لذلك، فإن رقص الزعماء أمام الكاميرا ليس مجرد واقعة عابرة، بل هو جزء من تحول أوسع في طبيعة الحملة الانتخابية: من الخطاب المطول إلى الفيديو القصير، ومن البرنامج المكتوب إلى الصورة، ومن مخاطبة الجماعة السياسية المنظمة إلى استهداف الفرد عبر هاتفه.

سياسة الصورة السريعة

تقوم المنصات الرقمية على اقتصاد الانتباه. فالرسالة التي لا تستقطب المشاهد خلال ثوانٍ قد لا تُشاهد أصلا، مهما كانت أهميتها. ومن هذا المنظور، تمنح الموسيقى والرقص والابتسامة والملابس المحلية السياسي فرصة للظهور في بيئة تنافسية تهيمن عليها المقاطع الترفيهية والمؤثرون والمحتويات الخفيفة.

إنها محاولة لإضفاء طابع إنساني على الزعيم، وتقديمه باعتباره قريبا من الناس، قادرا على مشاركتهم أفراحهم، وغير منفصل عن ثقافتهم اليومية. كما أن اختلاف «رقصة» كل زعيم قد يعكس رغبة الأحزاب في بناء صورة مميزة لها: حزب يريد أن يبدو شعبيا، وآخر شبابيا، وثالثاً متجذرا في الثقافة المحلية.

لكن هذا النوع من التواصل يحمل مفارقة واضحة. فالسياسي قد ينجح في كسب المشاهدة دون أن ينجح في كسب الاقتناع، وقد يحقق الانتشار دون أن يبني الثقة. فالفيديو الفيروسي لا يجيب عن سؤال البطالة، ولا يشرح كيفية إصلاح التعليم، ولا يحدد مصادر تمويل الوعود الانتخابية. إنه يخلق انطباعا، لكنه لا يقدم بالضرورة موقفا أو التزاما قابلاً للمساءلة.

من التقرب إلى التنافس

يبدو أن المسألة لا تتعلق فقط برغبة الزعماء في التقرب من الفئات الشعبية، بل أيضا بمنطق التنافس داخل المجال الحزبي نفسه. فعندما يقدم زعيم حزب على أداء رقصة أو الظهور في مشهد غير مألوف، قد يجد زعماء آخرون أنفسهم أمام ضغط تقليده حتى لا يظهروا بعيدين عن الجمهور أو عاجزين عن مواكبة لغة العصر.

وهكذا يتحول التواصل السياسي إلى سباق على الخفة والانتشار: من يملك المقطع الأكثر طرافة؟ من يحصد أكبر عدد من المشاهدات؟ من ينجح في تحويل تجمع حزبي إلى مادة قابلة للتداول؟ وفي هذه الحالة، لا يعود الاختلاف بين الأحزاب قائما على البرامج والتصورات، بل على أساليب الإخراج والحضور أمام الكاميرا.

الخطر هنا أن يؤدي التقليد المتبادل إلى تسطيح التعددية السياسية. فالاختلاف بين الاشتراكي والليبرالي والمحافظ وذي المرجعية الدينية ينبغي أن يظهر في السياسات العمومية، وفي المواقف من العدالة الاجتماعية، والحريات، والاقتصاد، والتعليم، وليس فقط في طريقة الرقص أو اختيار الموسيقى. عندما تتشابه الأحزاب في برامجها أو تعجز عن شرح اختلافاتها، قد تصبح الهوية البصرية بديلاً سهلاً عن الهوية السياسية.

الشباب بين الهاتف والانتظار

يستهدف هذا الخطاب الرقمي الشباب بالدرجة الأولى، لأنهم الأكثر حضورا على المنصات والأسرع تفاعلاً مع المحتويات المرئية. غير أن الشباب لا يحتاجون إلى أن تتقمص الأحزاب لغة المنصات فحسب؛ إنهم يحتاجون إلى أن تفهم واقعهم وأن تقدم لهم أجوبة عملية.

وتشير معطيات حديثة إلى ضعف الثقة السياسية لدى الشباب المغربي؛ إذ لا تتجاوز نسبة من يثقون في الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، نحو الثلث، كما أن مشاركة الشباب عبر القنوات التقليدية تظل محدودة، في مقابل حضور أكبر لأشكال التعبير الرقمي.

وتفيد دراسة أخرى بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً رئيسياً لبناء الوعي السياسي لدى نسبة مهمة من الشباب، في وقت يشعر فيه كثير منهم بأن الأحزاب لا تمثل تطلعاتهم فعلياً.

هذه الأرقام تفسر سبب لجوء الأحزاب إلى الرقص والموسيقى والمحتوى القصير، لكنها لا تبرر الاكتفاء بها. فالشاب الذي يشارك مقطعاً ساخراً أو يضغط زر الإعجاب قد لا يكون مقتنعاً بالحزب، بل قد يكون مستهلكا لمشهد ترفيهي عابر. التفاعل الرقمي لا يساوي بالضرورة مشاركة سياسية، والمشاهدة لا تعني التصويت، والتعليق لا يعني الانخراط.

عيد العرش 2026

غياب البرنامج يضاعف الأزمة

المشكلة الأعمق ليست في أن يرقص سياسي أو يستخدم الموسيقى المحلية، وإنما في أن يصبح ذلك هو مضمون الحملة. فالانتخابات ليست مسابقة في الشعبية، ولا مهرجاناً فنياً، بل لحظة لاختيار من سيتولى تدبير الشأن العام والتشريع ومراقبة الحكومة والدفاع عن مصالح المواطنين.

ومن حق الناخب أن يعرف، بوضوح، كيف ستتعامل الأحزاب مع:البطالة، خصوصاً بطالة خريجي الجامعات وحاملي الشهادات،ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية،إصلاح التعليم والصحة والنقل العمومي،أزمة السكن والولوج إلى فرص الشغل.

والفوارق المجالية بين المدن والقرى والمناطق الهامشية.وضعية المقاولات الصغرى والاقتصاد غير المهيكل.الهجرة والكفاءات المغربية في الخارج.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية.تدبير الماء والموارد الطبيعية وآثار التغير المناخي.

لا يكفي أن تعلن الأحزاب عن «دعم الشباب» أو «تحقيق التنمية» أو «خلق فرص الشغل». المطلوب هو تحديد الأهداف، والآجال، والكلفة، ومصادر التمويل، وآليات التنفيذ، ومؤشرات التقييم. فالبرنامج الحقيقي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يشرح كيف سيُتخذ القرار، ومن سيتحمل المسؤولية، وماذا سيحدث إذا لم تتحقق الوعود.

الشعبوية الرقمية

قد تتحول المبالغة في استعمال الرموز الشعبية إلى شكل من أشكال الشعبوية الرقمية. والشعبوية هنا لا تعني مجرد استعمال لغة بسيطة أو الظهور في أجواء احتفالية، بل تعني بناء علاقة مباشرة وعاطفية بين الزعيم والجمهور، مع تجاوز المؤسسات والبرامج والوسائط التي تسمح بالمناقشة والمساءلة.

في هذا النموذج، يقدم الزعيم نفسه باعتباره «واحداً من الناس»، بينما يتراجع الحزب باعتباره مؤسسة لها تصور جماعي وهيئات تقريرية وآليات للمحاسبة. وتصبح العاطفة بديلاً عن الحجة، والانتماء الشخصي بديلاً عن الاقتناع السياسي، والانتشار بديلاً عن الإنجاز.

غير أن الشعبوية الرقمية لا تزدهر في فراغ؛ إنها تجد بيئة مناسبة عندما تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج الأفكار، وتجديد النخب، والاستماع المنتظم للمجتمع. وحين لا يجد المواطن فرقاً واضحاً بين البرامج، يصبح أكثر استعداداً للحكم على السياسي من خلال مظهره وحضوره وشعبيته الافتراضية.

المطلوب من الأحزاب

لا يكمن الحل في رفض التكنولوجيا أو مطالبة السياسيين بالعودة إلى الخطابات التقليدية. المطلوب هو الجمع بين الجاذبية الرقمية والجدية السياسية. تستطيع الأحزاب أن تنتج مقاطع قصيرة وذكية تشرح إصلاحاً مقترحاً، أو تبسط مشروعاً قانونياً، أو تقدم مرشحاً ومؤهلاته، أو تجيب عن أسئلة المواطنين بالأرقام والوثائق.

كما أن التواصل الرقمي ينبغي أن يكون تفاعلياً لا دعائياً فقط. فبدلاً من نشر صور الزعماء وهم يرقصون أو يلقون كلمات معدة سلفاً، يمكن تنظيم مناظرات مباشرة، واستطلاعات موضوعية، وجلسات أسئلة وأجوبة، ومنصات لتلقي مقترحات الشباب، مع نشر تقارير دورية حول تنفيذ الالتزامات.

أما الزعماء، فعليهم أن يدركوا أن القرب من الشعب لا يُقاس فقط بالرقص على موسيقاه، بل أيضا بالقدرة على الدفاع عن مصالحه حين تكون القرارات صعبة، وعلى الاعتراف بالأخطاء، وشرح حدود الإمكانات، وتقديم حلول قابلة للتطبيق. فالمواطن لا يريد سياسياً يرقص معه فحسب؛ يريد مسؤولاً يفهم لماذا يعاني، وماذا سيفعل لتغيير واقعه.

من فرجة انتخابية إلى تعاقد سياسي

قد يكون الرقص في الحملة الانتخابية تعبيراً عن انفتاح السياسة على الثقافة الشعبية، وقد يكون في حالات أخرى مجرد تقليد وتسابق على الظهور. الفاصل بين الحالتين لا تحدده الموسيقى، بل ما إذا كان المشهد جزءاً من تواصل سياسي متكامل أم ستاراً لحجب فراغ البرنامج.

إن انتخابات 2026 مرشحة لتكون أكثر رقمية من سابقاتها، لكن الرقمنة لن تمنح الأحزاب شرعية جديدة تلقائيا. إنها تضاعف قدرة الحزب على الوصول إلى الناس، كما تضاعف قدرة الناس على كشف التناقض بين الخطاب والممارسة. وكلما ارتفع منسوب الصورة، ارتفعت الحاجة إلى المعلومة؛ وكلما انتشر المقطع، زادت ضرورة طرح السؤال: ماذا بعد التصفيق؟

المطلوب في النهاية ليس إلغاء الفرح من السياسة، ولا تحويل الحملات إلى محاضرات جافة، بل إعادة التوازن بين الشكل والمضمون. فالموسيقى قد تفتح الباب، والابتسامة قد تجذب الانتباه، لكن البرنامج وحده هو الذي يبني الثقة، والإنجاز وحده هو الذي يبررها، والمساءلة وحدها هي التي تمنح الانتخابات معناها الديمقراطي.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد