شكلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب في خريف 2024، مصحوبة بخطاب أمام البرلمان واعتماد خريطة رسمية للمغرب تشمل أقاليمه الجنوبية، نقطة تحول أنهت سنوات الفتور بين الرباط وباريس .
في تلك اللحظة، انتقلت باريس من موقف “الغموض الإيجابي” إلى تبني واضح لمبدأ السيادة المغربية والحكم الذاتي كإطار لحل النزاع، وهو ما وضع أساساً سياسياً جديداً للعلاقة الثنائية .
الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى في الرباط، بحضور رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو واثني عشر وزيراً، جاءت لتترجم هذا التحول إلى برامج تعاون واتفاقيات ملموسة، وتعكس إرادة الطرفين في استثمار المناخ السياسي الجديد لصالح شراكة استثنائية موسعة .
بوابة الرباط لاستعادة النفوذ الفرنسي في الساحل
فرنسا وصلت إلى قناعة أن نفوذها التقليدي في غرب إفريقيا لم يعد قائماً بنفس القوة، بعد موجة تململ شعبي في دول الساحل وطرد قواتها من بلدان مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تحت ضغط خطاب “رفض الوصاية الفرنسية” واتهام باريس بدعم أنظمة فاسدة أو غير فعالة . أمام هذا التراجع، تبدو الرباط اليوم بوابة أكثر قبولاً وشرعية في الفضاء الإقليمي الافريقي، بحكم صورتها المتوازنة والعلاقات المتعددة التي نسجها المغرب مع بلدان غرب إفريقيا والساحل في مجالات الاقتصاد، الدين، والتعاون الأمني .
بالتالي، يمكن قراءة جزء من التحول الفرنسي تجاه قضية الصحراء باعتباره سعياً إلى إعادة التموضع في المنطقة عبر شريك يتمتع بمصداقية محلية وإقليمية، بدلاً من الاستمرار في نهج مباشر صار مرفوضاً شعبياً في العديد من العواصم الإفريقية .
المغرب يفرض معادلة “الشريك المتساوي”
في هذا السياق الجديد، لم يعد المغرب يقبل بدور “الشريك التابع” أو “الامتداد الجنوبي” لسياسات باريس، بل بات يفرض نفسه كقوة إقليمية تتفاوض على أساس الندية والمصالح المتبادلة .
هذا يظهر في اشتراط الرباط أن تقترن المواقف السياسية الفرنسية الداعمة للوحدة الترابية بحزمة استثمارات ضخمة، خاصة في الأقاليم الجنوبية، للمساهمة في تطوير البنيات التحتية والتهيئة الترابية استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030 .
كما يطالب المغرب بأن تنخرط فرنسا في مشاريع تصنيع، وطاقات متجددة، وبنيات تحتية تعكس حجم الشراكة المعلَن، وألا يقتصر دور باريس على التصريحات السياسية أو برامج المساعدات التقليدية .

منافسة اقتصادية جديدة
التحولات الاقتصادية الأخيرة أضعفت موقع فرنسا كمستثمر أول أو شريك اقتصادي رئيسي للمملكة، إذ برزت الإمارات العربية المتحدة كأحد كبار المستثمرين في قطاعات استراتيجية داخل المغرب، بينما أصبحت إسبانيا الشريك الأوروبي الاقتصادي الأول للمملكة بفعل حجم التبادل التجاري والتكامل القطاعي بين البلدين .
هذه المعطيات تجعل باريس في موقع من يسعى لاستعادة مكانته الاقتصادية، وليس في موقع الممسك الوحيد بخيوط التعاون، ما يمنح الرباط هامشاً أوسع للمناورة وتنويع شركاءها في العالم .
فرنسا، في ضوء هذه المنافسة، تدرك أن تعزيز حضورها في مشاريع الطاقات المتجددة، والنقل، والصناعة، وفي الأقاليم الجنوبية خاصة، أصبح ضرورة إن أرادت تحويل خطاب “الشراكة الاستثنائية” إلى واقع ملموس .

دور فرنسا في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي
من زاوية مغربية، لا تكفي الإشارات الإعلامية والسياسية الداعمة للصحراء، بل هناك انتظار لدور فرنسي عملي داخل مجلس الأمن الدولي وفي مؤسسات الاتحاد الأوروبي لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي .
الرباط تراهن على أن تتحول باريس إلى صوت قوي داخل المنظومة الأوروبية، يدفع نحو تبني رؤية تعتبر الصحراء جزءاً من المجال السيادي المغربي، وتدافع عن مصالح المملكة في ملفات التجارة، الهجرة، والاتفاقيات الفلاحية والبحرية .
هذا الدور المنتظر يشمل كذلك التأثير على مواقف دول مترددة في أوروبا، وتعزيز حضور الموقف المغربي داخل المؤسسات الاستشارية والتشريعية الأوروبية، بما يرتبط مباشرة بملف الصحراء وبقضايا الأمن والهجرة .

المغرب شريك موثوق في الأمن والهجرة
أحد أعمدة هذه الشراكة المتجددة هو التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، حيث يقدم المغرب نفسه كفاعل موثوق على مستوى تبادل المعلومات، الضربات الاستباقية، ومواجهة تهديدات الساحل والجماعات المتطرفة العابرة للحدود .
هذا التعاون يمتد أيضاً إلى ملف الهجرة غير النظامية، حيث تعد الرباط شريكاً أساسياً لأوروبا في ضبط الحدود، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، ومواجهة الهجرة من جنوب الصحراء نحو الضفة الشمالية .
بالنسبة لفرنسا، هذا البعد الأمني والهجراتي يمنح العلاقة مع المغرب قيمة إضافية تتجاوز مجرد الاستثمار أو التبادل التجاري، ليجعل من الرباط ركناً أساسياً في معادلة الاستقرار جنوب أوروبا وغرب المتوسط .
* علي الانصاري