لم تعد التهديدات القادمة من منطقة الساحل محصورة داخل المجال الجغرافي للدول الهشة، بل تحولت إلى شبكة عابرة للحدود تتغذى من الفراغات الأمنية، وتستثمر في التجنيد عبر الانترنيت، والتمويل غير المشروع، والتحريض الأيديولوجي، وإعادة تشكيل الخلايا الصغيرة القابلة للحركة السريعة .
وفي هذا السياق، تكشف العملية الأمنية المغربية الأخيرة أن الخطر لا يأتي فقط من تنظيمات مركزية، بل من خلايا مرنة ترتبط بقيادات إقليمية وتنشط عبر وسائط رقمية وشبكات اتصال غير مباشرة .
مخطط إرهابي بالغ الخطورة
بالأمس ،أعلنت المصالح الأمنية المغربية عن إحباط مخطط إرهابي بالغ الخطورة وإيقاف 12 مشتبهًا به في عدد من المدن، بعد أن تبيّن أن العملية كانت تُحضَّر بتكليف وتحريض مباشر من قيادي بارز في تنظيم داعش بمنطقة الساحل الإفريقي . ووفق المعطيات المنشورة، فإن الخلية كانت تمثل مشروعا استراتيجيا لما سُمّي “ولاية داعش بالساحل”، بما يعكس مستوى من التخطيط يتجاوز الفعل الفردي أو الارتجالي .
كما تشير تقارير بحثية وإعلامية إلى أن المغرب يظل هدفا رئيسيا لهذه الشبكات التخريبية بسبب موقعه الاستراتيجي وقدراته الاستخباراتية التي اربكت تمدد هذه التنظيمات داخليا وإقليميا ودوليا .
تهديد خلايا صغيرة
التهديد هنا لا يعتمد على جيش نظامي أو بنية قتالية تقليدية، بل على خلايا صغيرة، وتحركات سريعة، واتصال لامركزي، وتوظيف للعوامل المحلية والإقليمية معا . وتُظهر المعطيات أن الخلايا المرتبطة بالساحل تميل إلى العمل عبر واجهات متعددة منها: التحريض عن بعد، استقطاب أفراد داخل بلدان الهدف، واستغلال مناطق الهشاشة الاجتماعية والحدودية لتأمين الدعم اللوجستي أو الرمزي . مما يجعل التهديد خليط بين ما هو أمني وأيديولوجي وتواصلي في الوقت نفسه .
كفاءة الأجهزة المغربية
تبرز كفاءة الأجهزة الأمنية المغربية في هذا الملف من خلال عنصرين أساسيين: الاستباق والتنسيق . فالعملية لم تكن استجابة متأخرة لوقوع الخطر، بل إحباطا استباقيا لمخطط في طور التشكل، وهو ما يعكس قدرة عالية على الرصد والتحليل وتتبع الشبكات قبل انتقالها إلى التنفيذ .
و تظهر كل المؤشرات في المجال ، أن المغرب راكم خبرة طويلة في تفكيك الخلايا الإرهابية، وأن أدواته تجمع بين الاستخبارات المتقدمة، ومراقبة الحدود، والتعاون الدولي، والمقاربة الوقائية التي تربط الأمن بالتنمية ومكافحة التطرف .
الدلالات الإقليمية
تتجاوز أهمية هذه العملية البعد الداخلي، لأنها تؤكد أن الساحل لم يعد مجرد هامش جغرافي، بل صار مصدرا مباشرًا لإنتاج التهديدات التي قد تمتد إلى شمال إفريقيا وأوروبا . كما أن ضعف التنسيق الإقليمي، وانسحاب بعض الدول من الأطر الجماعية، وتنامي الجماعات المسلحة، كلها عوامل تزيد من قابلية انتقال التهديد عبر مسارات التهريب والهجرة غير النظامية والتمويل غير المشروع . لذلك، فإن أي نجاح أمني في المغرب يحمل أيضًا رسالة طمأنة إقليمية مفادها أن منطق الردع الوقائي ما يزال ممكنًا إذا توفرت أجهزة يقظة وشراكات فعالة .
الحاجة لرفع مستوى التنسيق
من الناحية الإقليمية والدولية، تعكس هذه العملية حاجة متزايدة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفع مستوى التنسيق بين دول الساحل وشمال إفريقيا وأوروبا . فالتنظيمات المتطرفة في الساحل تعمل ضمن بيئة مترابطة، ما يجعل مكافحتها مستحيلة دون تعاون عابر للحدود يشمل الأمن، والعدالة، ومراقبة التمويل، ومكافحة الخطاب المتطرف . وفي هذا الإطار، يظل المغرب شريكًا موثوقًا بفضل مقاربته التي تجمع بين الصرامة الأمنية والدبلوماسية الأمنية والتنمية، وهو ما يمنحه موقعًا خاصًا في هندسة الاستقرار الإقليمي .
أن العملية ليست مجرد مخطط تم إفشاله، بل مؤشر على انتقال التهديد الساحلي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الشبكات العابرة للحدود مع الخلايا المحلية ومع الفضاء الرقمي . وفي المقابل، أظهر المغرب أن الأمن الفعال لا يقوم على رد الفعل فقط، بل على الاستباق، واليقظة، والتنسيق المؤسساتي، والانفتاح على الشراكات الدولية .
وهذا ما يجعل التجربة المغربية واحدة من أبرز النماذج الإقليمية في مواجهة التهديدات غير المتناظرة القادمة من الساحل .
علي الانصاري