(عبد الله العلوي)
لطالما شكلت منافسات كأس العالم مناسبة يجري فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تعديلات على قوانين اللعبة، معتمدا على المتابعة الواسعة التي تحظى بها المنافسة الكروية الأكثر مشاهدة في العالم، لتسهيل استئناس الجمهور واللاعبين بهذه التغييرات. وبين النسخة المونديالية لـ1994 و2026، تمثل القاسم المشترك في إدراج الاتحاد الدولي للعبة لوائح جديدة تساهم في تطوير الممارسة الكروية النزيهة، وزيادة التنافسية وتكافؤ الفرص.
وإذا كان المجلس الدولي لكرة القدم قد صادق في أبريل الماضي بفانكوفر، على تعديلات اقترح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إدخالها على قوانين هذه الرياضة، سيتم تطبيقها في بطولة كأس العالم بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فإن نسخة 1994 التي أقيمت في الولايات المتحدة شكلت بدورها نسخة فريدة من نوعها آنذاك، حيث عرفت إدخال تعديلات على نظام الكرة وتم إقرار قوانين جديدة تساير حينها التطور الذي عرفته باقي الرياضات.
وتظل الغاية المشتركة في كلتا الحالتين مواجهة التحايل الذي يبتكره اللاعبون بشكل مستمر لكسب ميزة خاصة لصالحهم، وزيادة حظوظهم في الفوز، بدل اعتماد قيم النزاهة والشرف التي أحدثت هذه الرياضة من أجلها، وكذا الحفاظ على انسيابية اللعب مع التصدي لأي سلوك تمييزي وغير لائق. ومع ذلك، ظل الهاجس الأكبر متمثلا في تفادي المساس بالفرجة والمتعة التي ألفت تقديمها هذه الرياضة لمتتبعيها.
وهكذا، سيتم خلال كأس العالم 2026 المنظمة بين 11 يونيو و19 يوليوز، اعتماد البطاقة الحمراء بحق اللاعبين الذين يغادرون ميدان الملعب احتجاجا على قرار تحكيمي، أو المسؤولين الذين يحرضون على ذلك، كما سيعتبر الفريق الذي يتسبب في إلغاء المباراة خاسرا، من حيث المبدأ.
وبموجب القانون نفسه، وحسب تقدير الجهة المنظمة للمسابقة، ففد أصبح جائزا للحكم إشهار البطاقة الحمراء في وجه أي لاعب يغطي فمه أثناء مشادة مع منافس يدعي على إثر ذلك تعرضه إلى إساءة.
ومن التغييرات اللافتة التي ستشهدها قوانين كرة القدم في هذه النسخة المونديالية، تلك المتعلقة بتغييرات اللاعبين خلال أطوار المباراة، حيث سيكون أمام اللاعبين المستبدلين 10 ثوان فقط لمغادرة الملعب، وإذا ما تجاوزوا هذه المدة، سيتعين على اللاعب الوارد الانتظار دقيقة إضافية قبل الدخول، ما سيترك الفريق منقوصا. ويستهدف هذا القانون تفادي التأخير المتعمد الذي يقوم به بعض اللاعبين في آخر أطوار المباراة، للحفاظ على النتيجة.
كما تم تشديد قوانين دخول طاقم العلاج الطبي، حيث أصبح على أي لاعب يتلقى العلاج في الملعب مغادرة رقعة الميدان والانتظار لمدة دقيقة واحدة على الأقل قبل العودة، ما لم تنجم الإصابة عن خطأ يستحق البطاقة.
وستعرف قوانين تقنية حكم الفيديو المساعد (الفار) أيضا بعض التعديلات حيث صار من الممكن مراجعة البطاقات الصفراء الثانية والأخطاء الواضحة في قرارات الركلة الزاوية، وهو الأمر الذي سيزيد من تأثير هذه التقنية على اللحظات الرئيسية في اللعبة.
هذه الطفرة التنظيمية والتكنولوجية الهائلة التي سيشهدها كأس العالم 2026 تعيد إلى الأذهان المرة الأولى التي احتضنت فيها الولايات المتحدة نسخة 1994، حيث اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم، انطلاقا من هذه النسخة المونديالية رسميا نظام الثلاث نقاط الممنوحة للمنتخب الفائز عوض نقطتين، بعدما كان يعتمد فقط على مستوى الأندية، مستندا في ذلك إلى الرغبة في التشجيع على البحث عن الفوز من خلال تسجيل أكبر عدد من الأهداف وتحقيق أكبر قدر من النقاط.
كما شكلت نسخة 1994 أول كأس العالم يتم فيها منع لمس الحارس للكرة بيديه في حالة تمريرها له من طرف لاعب من الفريق نفسه بشكل متعمد، وذلك لتفادي تضييع أي فريق للوقت، وتجنب اللعب السلبي، وزيادة التنافسية.
وعلى مستوى أقمصة حكام المباراة، فقد تم السماح ولأول مرة في هذه النسخة من كأس العالم بارتداء قاضي الملعب لأقمصة ذات ألوان غير الأسود كما كان معمولا به في السابق، بعد 14 نسخة من كأس العالم اكتفى بها الحكام بارتداء السواد.
وبين مؤيد لهذه التعديلات الرامية لزيادة سرعة الكرة وفرجتها وتحقيق مبادئ الإنصاف والعدالة، ومعارض لها لما قد تتسبب فيه من تغيير لوجه الكرة المألوف أو إعطاء سلطة أكبر للحكام والتكنولوجيا في توجيه سير المباريات، ستشكل نسخة كأس العالم 2026، اختبارا لمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم، حول مدى نجاعة وفعالية هذه التغييرات وحفاظها على جوهر كرة القدم: الكرة للجمهور.