ومع مرور الزمن، ما فتئت هذه العلاقة المميزة التي تربط الدار البيضاء بكرة القدم تتعزز وتنمو، مما جعل هذه المدينة الكبرى جزءا لا يتجزأ من تاريخ كرة القدم الوطنية.
وبالفعل، فقد أسهمت العاصمة الاقتصادية في كتابة صفحات مجيدة من تاريخ الكرة المغربية، حيث كانت مسرحا للحظات انتصار خالدة ستبقى راسخة في الذاكرة، كما كانت مهدا لنجوم كبار تألقوا ضمن صفوف المنتخب الوطني.
هذا التاريخ المشترك مرتبط ارتباطا وثيقا بكأس العالم، أكبر البطولات الكروية على المستوى العالمي، وذلك منذ المشاركة الأولى لأسود الأطلس في مونديال المكسيك عام 1970.
وفي هذا السياق، أبرز اللاعب الدولي المغربي السابق عبد الفتاح العلوي، أنه بفضل بنيات تحتية رياضية ذات جودة، وجمهور شغوف، وثقافة كروية راسخة محليا، وأجيال متعاقبة من اللاعبين الموهوبين، احتلت المدينة دوما مكانة خاصة في التاريخ المونديالي الكروي للمغرب وعلى صعيد الكرة الوطنية بشكل عام.
وفي هذا الإطار، يستحضر اللاعب السابق لنادي الوداد البيضاوي، أمجاد المركب الرياضي محمد الخامس، الذي احتضن لسنوات طويلة مباريات بالغة الأهمية للمنتخب الوطني، من بينها مواجهات حاسمة لتحقيق التأهل لكأس العالم.
وأشار الدولي السابق، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إلى أن هذا الفضاء الرياضي التاريخي نقش في الذاكرة الجماعية للمغاربة ذكريات لا تمحى، جعلت منهم شهودا مميزين على لحظات من الفرح والأحاسيس الجياشة والمجد.
وذكر بأن تلك المباريات، التي كانت شاهدا على حماسة شعبية فريدة تجاه الكرة المستديرة، كانت تستقطب جماهير غفيرة وتقام في أجواء استثنائية.
وفي سنة 2022، كان ملعب “دونور” شاهدا على إحراز رفاق أشرف حكيمي بطاقة التأهل لمونديال قطر، بعد الفوز الكبير على جمهورية الكونغو الديمقراطية بأربعة أهداف مقابل هدف واحد في مباراة إياب التصفيات المؤهلة للعرس الكروي العالمي.
كما تم التأهل لمونديال فرنسا 1998 في هذا الصرح الرياضي الأيقوني، إثر انتصار بهدف دون رد أمام غانا في أجواء حماسية، بفضل هدف خالد رغيب. وفي المركب الرياضي محمد الخامس أيضا، تحقق حلم التأهل لمونديال الولايات المتحدة 1994، حيث تم تحديد المتأهل في الجولة الأخيرة من التصفيات الأفريقية، وكان عبد السلام لغريسي من أشعل حماس الجمهور بتسجيله الهدف الوحيد في اللقاء، ليحصل أسود الأطلس على بطاقة التأهل للمشاركة في المونديال الأمريكي.
وباحتضانه مباريات المنتخب الوطني على أرضه، كان ملعب “دونور”، عنصرا حاسما أيضا في تأهل أسود الأطلس إلى كأس العالم سنتي 1970 و1986 بالمكسيك.
من جهة أخرى، لطالما شكلت الدار البيضاء خزانا حقيقيا للمواهب الكروية المغربية، حيث أنجبت العديد من الأساطير التي تركت بصمتها في تاريخ المنتخب الوطني، خاصة في كأس العالم.
وحسب عبد الفتاح العلوي فإن من بين هؤلاء اللاعبين، يبرز نجمان اثنان نقشا اسم يهما في تاريخ الكرة الوطنية إلى الأبد، وهما محمد حومان ومحبوب الغزواني، اللذين سجلا أول هدفين للمنتخب الوطني في كأس العالم (مونديال 1970)، في مرمى كل من ألمانيا الغربية وبلغاريا على التوالي.
كما تألقت أسماء أخرى من أبناء الدار البيضاء مع أسود الأطلس في كأس العالم، من بينهم عزيز بودربالة، والراحل عبد المجيد الظلمي، ومصطفى الحداوي، ونور الدين النيبت، وصلاح الدين بصير، ولحسن أبرامي، وعبد الكريم ميري “كريمو”، وغيرهم.
وفي هذا الإطار، أكد كريمو، أحد أبطال ملحمة المنتخب في مونديال 1986، أن الدار البيضاء ظلت دائما قطبا كرويا وطنيا كبيرا، تحتضن أندية عريقة كبرى كونت أجيالا متعاقبة من اللاعبين الكبار وأمدت المنتخب الوطني بمواهب متميزة.
وأوضح عبد الكريم ميري، في تصريح مماثل، أن هؤلاء اللاعبين يشكلون رمزا للتميز الرياضي للدار البيضاء، ويجسدون قدرة المدينة على إنتاج مواهب قادرة على التألق على المستوى الدولي.
ويرى ابن الدار البيضاء أن الشغف الشعبي بكرة القدم والرياضة عموما يشكل أحد الأركان الجوهرية للهوية البيضاوية.
وفي سياق آخر، أضاف كريمو، أن الاستقبال الحافل الذي خصص للمنتخب الوطني بعد إنجازه في كأس العالم 1986، أمام حشد هائل تجمع في المركب الرياضي محمد الخامس وبحضور المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، يشكل لحظة فارقة أخرى في التاريخ الكروي للدار البيضاء.
ويستحضر الدولي المغربي السابق هذه الذكرى الخالدة بفخر وحنين بالغين، مشيرا إلى أن هذا الاستقبال الأسطوري الذي خصصه البيضاويون لصانعي ملحمة مونديال 1986 سيظل محفورا إلى الأبد في ذاكرة ملعب “دونور” ومدينة الدار البيضاء.
وبعيدا عن ماضيها الكروي المجيد على الصعيد العالمي، تتطلع الدار البيضاء إلى المستقبل بطموح كبير، تحمله الديناميكية الشاملة التي تم إطلاقها في إطار تنظيم كأس العالم سنة 2030.
حاليا، توجد أوراش كبرى في طور الإنجاز لمواكبة هذا الحدث الكروي الهام، في صدارتها بناء الملعب الكبير الحسن الثاني بالدار البيضاء، المرشح ليكون أحد أكبر المنشآت الرياضية في العالم.
وبسعة تبلغ 115 ألف متفرج، فإن هذا الصرح الرياضي والمعماري، الذي يستجيب لأعلى معايير الهيئات الرياضية الدولية ويدمج أحدث الابتكارات التكنولوجية، سيضع الدار البيضاء تحت الأضواء بأبهى صورة.
وباعتباره أكثر من مجرد منشأة رياضية ستحتضن مباريات من أرقى المنافسات الكروية العالمية، ي عد الملعب الكبير الحسن الثاني قلب مشروع حضري طموح على مستوى الدار البيضاء الكبرى، كما يندرج ضمن دينامية تنموية شاملة لما بعد سنة 2030.