أنس بلحاج: واشنطن (ومع)
نجح ملعب “مرسيدس بنز” في أتلانتا، منذ تدشينه في غشت 2017 بتكلفة مالية ضخمة بلغت 1.6 مليار دولار، في فرض نفسه سريعا كأحد أكثر الملاعب المواكبة لجيل المستقبل في العالم، بل والأهم من ذلك، كمركز نابض للرياضة في جنوب الولايات المتحدة.
وتستعد هذه المنشأة الرياضية، التي تتميز بمرونة استثنائية في الاستخدام، لتدشين مرحلة تاريخية جديدة بصفتها أحد الركائز الأساسية لبطولة كأس العالم 2026. ومراعاة للقوانين الرقابية التجارية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، سيتخلى المركب الرياضي مؤقتا عن اسمه التجاري ليحمل اسم “ملعب أتلانتا” طوال فترة المنافسات.
وفي هذه النسخة التي تعد الأكبر في تاريخ كأس العالم (بمشاركة 48 منتخبا)، يؤكد ملعب أتلانتا مكانته كمركز رئيسي للبطولة، حيث سيحتضن الملعب 8 مباريات قوية في المجموع، تمتد من دور المجموعات وحتى المربع الذهبي للمنافسة.
وستقام على أرضية هذا الملعب خمس مواجهات في دور المجموعات، تجمع أبرز المنتخبات العالمية، لاسيما مباراة أسود الأطلس ضد هايتي، ومواجهة إسبانيا ضد المملكة العربية السعودية. بعد ذلك، سيهتز الملعب على إيقاع الأدوار الإقصائية الحاسمة، حيث يستضيف مباراة في دور الـ32، وأخرى في دور الـ16، وصولا إلى الحدث الأبرز في مشواره بالبطولة: مباراة نصف نهائي كأس العالم.
وقد نجح مكتب الهندسة المعمارية الشهير “إش أو كي”، الذي تولى تصميم هذا الصرح، في تجاوز حدود الهندسة الحديثة من خلال ثلاث ابتكارات رئيسية.
ويتمثل الابتكار الأول الجاذب للأنظار في سقفه المتحرك المصمم على شكل “بتلات الزهور”. مستوحى من عين سقف مبنى البانثيون في روما، ويتكون السقف من ثمانية ألواح مثلثية تنزلق بشكل مستقيم، حيث تفتح وتغلق في أقل من عشر دقائق على طريقة عدسة الكاميرا، مما يقدم عرضا بصريا فريدا من نوعه.
أما الابتكار الثاني فهو شاشة “الهالو” عملاقة عالية الدقة بزاوية 360 درجة تحيط بهيكل السقف. ويبلغ ارتفاع الشاشة 18 مترا وطولها 335 مترا، وتمتد على مساحة 5600 متر مربع، لتكون بذلك أكبر شاشة فيديو في العالم يتم تركيبها داخل ملعب رياضي، مما يضمن للمشاهدين تجربة بصرية غامرة بالكامل.
ويكمن الابتكار الثالث والأهم، في دمج أكثر من 4 آلاف لوح شمسي، ونظام متطور لتدبير المياه قادر على تخزين ملايين اللترات من مياه الأمطار لحماية المنطقة المحيطة من الفيضانات المحلية. وبفضل تصميمه الصديق للبيئة، أصبح المركب أول منشأة رياضية محترفة في أمريكا الشمالية تنال أعلى شهادة بيئية (LEED البلاتينية).
وفي حين أن معظم الملاعب الأمريكية تصمم في الأصل على مقاييس لعبة كرة القدم الأمريكية، فإن “ملعب أتلانتا” يتميز بكونه صمم منذ البداية ليتناسب مع كرة القدم التقليدية، التي تعرف في الولايات المتحدة باسم (سوكر).
ويحتضن الملعب على مدار العام مباريات فريق “أتلانتا فالكونز” في دوري كرة القدم الأمريكية، ولكن بالأخص لفريق “أتلانتا يونايتد” في الدوري الأمريكي لكرة القدم، والذي يسجل أرقاما قياسية في الحضور الجماهيري على مستوى القارة، بمتوسط يتجاوز 45 ألف متفرج في المباراة الواحدة.
وبفضل تزويده بنظام ستائر آلي قابل للسحب لتعديل سعة المدرجات، يمكن للملعب التحول من أجواء المباريات المحلية المحدودة إلى ملعب عملاق يتسع لأكثر من 75 ألف مقعد في المباريات الكبرى لكرة القدم (سوكر).
وبفضل موقع أتلانتا الجغرافي الاستراتيجي، وامتلاكها لأحد أكبر مطارات العالم (مطار هارتسفيلد-جاكسون)، واعتمادها على سياسة ضيافة تركز على إثراء تجربة المشجعين، تستعد المدينة وتحفتها المعمارية لتقديم واجهة استثنائية لكرة القدم العالمية.
وتتجاوز أهمية هذا الصرح الجانب الرياضي، فقد تم تصميمه ليكون مركزا ترفيهيا متعدد الاستخدامات من الطراز الأول، إذ تساهم بنيته الحديثة وهندسته الصوتية الفائقة في استقطاب الجولات الفنية لأكبر النجوم العالميين.
وقد استضاف الملعب عروضا موسيقية ضخمة لنجوم عالميين مثل تايلور سويفت، بيونسي، ذا ويكند، وفرقة “ذا رولينغ ستونز”. ويتيح نظام الملعب الخاص بالحفلات إمكانية نصب مسرح عملاق فوق أرضية العشب، مع استغلال السقف المتحرك وشاشة “الهالو” الدائرية الضخمة لتقديم تأثيرات بصرية غامرة ومبهرة.