جرى استحضار ابن بطوطة من خلال الاحتفال بكل التعابير والكتابات التي خطها بعد حلوله في الأمصار والمناطق البعيدة والقريبة ومشاهداته لها، والتي تعر ف عبرها العالم على نفسه وعلى أماكن مجهولة لم تطأها أقدام المؤرخين والرحالة من قبل.
“لقد أحيت مشاهدتي للصور المقربة لشخص ابن بطوطة ومتابعتي لفقرات المعرض، في نفسي، شغفا بإعادة اكتشاف هذا الرحالة الألمعي”، يقول الطالب “أسامة” القادم من مدينة الدار البيضاء وهو يتحدث إلى وكالة المغرب العربي للأنباء عن رحلته للتلاقي مع تراث ابن بطوطة معروضا بصيغة معاصرة.
وأضاف أسامة أن جولته داخل المعرض ومشاهدة ما يزخر به رواق “ابن بطوطة وأدب الرحلة” على مستوى التعريف بهذا الرحالة “تركت لدي انطباعا وكأن ابن بطوطة، الذي يصنف كأعظم رحالة مسلم في العصور الوسطى، استقل دابته من أجل ربط الماضي بالحاضر ويحل بالعاصمة الرباط”.
ويعرض هذا الجانب من المعرض، بحسب المنظمين، مخطوطات ووثائق نادرة حول ذاكرة ابن بطوطة، وخرائط تحكي مسار رحلته من المغرب إلى الصين، ووثائق وطبعات وأغلفة نادرة، ومعرضا فوتوغرافيا، ومنصة تفاعلية تتيح لزائر المعرض لقاء مباشرا بابن بطوطة، وطرح أسئلة عليه وكأن حاضر معه، بالتركيز على مسارات رحلته والمشاكل التي لاقاها في زياراته المتعددة والمتنوعة عبر العالم.
وتحتفي هذه الدورة بابن بطوطة، من خلال سلسلة من الندوات حول هذا الرحالة المغربي، ولقاءات حول أدب الرحلة، مع عرض 25 فيلما وثائقيا حول أهم الرحلات عبر التاريخ، إلى جانب مكتبة خاصة بأدب الرحلة.
تختزل مدينة الرباط قرونا من التاريخ عبر استحضار ذاكرة الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة من خلال دورة هذه السنة من المعرض. فمن خلال رحلته التي امتدت لثلاثة عقود، استطاع الشاب “أبو عبد الله محمد” أن يوثق عجائب الأمكنة وأحوال الشعوب في عصره، مقدما للأجيال اللاحقة تفاصيل نادرة وغرائب أمكنة وأحوال مجالات لم يكن بمقدور معاصريه الوصول إليها نظرا لصعوبات السفر ومشاق الزمان في ذلك الوقت.
وفي هذا السياق، جعل المعرض الدولي للنشر والكتاب من تراث ابن بطوطة والأشكال الافتراضية لتقديم منجزه مقرا للزوار لتلمس طريق لم تعبد بالحرير، واستكشاف تلك الدروب الوعرة التي سلكها الرحالة المغربي، والتي قادته إلى بلدان لم تكن معروفة آنذاك، ولم تكتشف تفاصيلها إلا بعد أن خلدها في تدويناته.
وأكد أحمد الصديقي، أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن أبعاد الرحلة الثقافية تعزز التربية على المواطنة العالمية، وتفتح أعين الجميع على العجيب والغريب في البلدان التي زارها ابن بطوطة، والعمائر والحيوانات والكائنات التي وصفها.
هذه الأبعاد بدت حاضرة في المنجز المعروض في هذه المناسبة الثقافية الدولية المحتفلة بالعلامة والرحالة المغربي الكبير الذي عاش في القرن الرابع عشر، والذي نقل من خلال أسفاره الخالدة والاستثنائية رؤية للعالم قائمة على المعرفة المتبادلة والتفاهم والسلام، بغض النظر عن الحدود، والثقافات واللغات.
وكما يأخذ كتاب رحلة ابن بطوطة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، وهو أشهر كتبه، القارئ في رحلة تمتد لأكثر من 120 ألف كيلومتر، يتفاعل زائر المعرض مع هذه المسافة التي غطاها الرحالة المغربي في تدوينات أسفاره من خلال روحه الحاضرة بأبعاد مختلفة داخل هذا الحدث الثقافي البارز.
ويؤكد الأستاذ الصديقي أن كتاب الرحالة المغربي محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة يتيح للجميع اكتشاف مظاهر التنوع الحضاري والثقافي في العالم الإسلامي وغيره من المناطق التي زارها، ووصف عادات وتقاليد شعوبها وقبائلها، ونظمهم الاجتماعية، مما يكسب المتعلم وعيا بأهمية الاختلاف وثرائه، ويدعم بناء شخصية متوازنة ومنفتحة، ويسهم في ترسيخ قيم التسامح واحترام الآخر.
ويشكل المعرض إحياء لمسارات رحلات ابن بطوطة، من خلال عرض مخطوطاته وأعماله التي تنقل كل ما خطه ورآه وشاهده على مر السنين لينسخ أدبا خالدا في الذاكرة التاريخية التي تستشرف منح كل شغوف بالأدب وبالكتابة متسعا ليرى ابن بطوطة يحيى في العاصمة عبر عرض كل ما له علاقة به، لا سيما المخطوطات المتراكمة المتحدثة عنه وعن محطاته في الأمكنة وزمانها.
وشدد الأستاذ الصديقي على أن مخطوطه ظل مصدرا رحليا وجغرافيا مهما، ومتنا ملهما ضمن مظان الكتابة التاريخية، لا سيما في شقها الاجتماعي، وبذلك يعد من أبرز مصنفات القرن الثامن الهجري (القرن 14 ميلادي) التي تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق الجغرافي والحضاري، وتبرز القيمة التربوية للرحلة فيما تقدمه من مادة غنية ومتنوعة يمكن استثمارها في تنمية معارف التلاميذ وتوسيع آفاقهم الثقافية، لكونها تضعهم في تماس مباشر مع تجارب إنسانية متعددة في مختلف الأمصار والأقطار التي زارها ابن بطوطة، فضلا عن أهميتها في ربط المعرفة المدرسية بالسياقات الواقعية، ما يعزز الفهم العميق بدل الاكتفاء بالقصص والروايات السطحية الغارقة في المحسنات البديعية.
وخلص الأستاذ الصديقي إلى أن الزمن يؤكد أن كتاب “تحفة النظار” يعد مرجعا تربويا غنيا يسهم في غرس القيم، وحب الاكتشاف، والسعي إلى المعرفة في متونها الأصلية، من خلال تقديم نموذج إنساني متميز يجسده ابن بطوطة في رحلاته الطويلة، فضلا عن كونه نموذجا ملهما للتلاميذ يحفزهم على الطموح وتجاوز حدود المألوف، ويعزز لديهم روح المبادرة الخلاقة والتعلم الذاتي، وبالتالي يتجاوز الكتاب كونه مجرد متن تراثي ليتحول إلى أداة تربوية متكاملة تسهم في بناء المتعلم معرفيا وقيميا وسلوكيا.