
(عبد اللطيف الحربيلي و م ع)
مع حلول كل رمضان يبدأ الكويتيون في سماع دوي طلقات مدفع الشهر الفضيل إيدانا بدخول وقت الإفطار أو الإمساك، ويسترجعون من خلاله ذكريات مفعمة بالحنين لأجواء ارتبطت بروحانية هذا الضيف الكريم وجمالياته التراثية عبر التاريخ.
ورغم أن شهر رمضان لهذه السنة يمر في أجواء استثنائية بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والاعتداءات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية، منها دولة الكويت، إلا أن الكويتيين مافتئوا يتمسكون خلال الشهر الفضيل بعاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الثقافي وتاريخهم التليد.
وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة، لايزال مدفع رمضان بالكويت يحتفظ بسحره ووقعه الخاص على النفوس.
فعندما تدوي قدائف هذا المدفع في سماء الكويت، تتحول إشارة الإفطار أو الإمساك إلى لحظة ينتقل فيها كل المكان إلى بوتقة واحدة تنصهر فيها الحدود الثقافية والتاريخية والهوياتية والملامح الحضارية لهذا البلد النابض بالحياة.
في تجسيد لعراقة هذا الموروث الحضاري، تحرص العديد من الأسر على الحضور لحظة إطلاق قدائق المدفع وسط احتفالات شعبية حماسية يغلب عليها روح التضامن والتراحم الذي يميز هذا الشهر الكريم، قبل أن ينقلها التلفزيزن الرسمي إلى باقي الكويتيين.
وبحسب المؤرخين، فإن هذا التقليد يعود إلى سنة 1907 في عهد الشيخ مبارك الصباح الحاكم السابع لدولة الكويت، حيث كان الوسيلة الأساسية لإعلام الناس بحلول موعد الإفطار أو الإمساك قبل انتشار وسائل الإعلام الحديثة.
وأبرزوا أن المدفع كان يطلق من قصر السيف، الذي يعتبر أحد أهم المعالم التاريخية في الكويت، وكان صوته يجمع الناس حول موائدهم، حيث ينتظرون بفارغ الصبر تلك القذيفة الرمضانية التي تعلن انتهاء الصيام أو بداية الإمساك.
وقد استمر هذا التقليد في دولة الكويت حتى اليوم، رغم التطورات التكنولوجية والتقنيات الحديثة وانتشار الإذاعات والقنوات الفضائية، وإعلاء أصوات الآذان في المساجد، إذ لا يزال المدفع يطلق في مواقع محددة، من قبيل قصر نايف، وذلك من أجل الحفاظ على هذا الإرث الرمضاني العريق.
وفي هذا السياق، أسهب الفلكي والمؤرخ عادل السعدون في كتابه “موسوعة الأوائل الكويتية” في الحديث عن تاريخ استخدام مدفع الإفطار في الكويت، حيث أكد أن علي بن عقاب بن علي الخزرجي هو أول من أطلق مدفع رمضان في هذا البلد.
وأوضح السعدون أنه في عهد الشيخ مبارك الصباح عهد إلى بن عقاب إطلاق المدفع وقتي الفطور والإمساك، حيث كان يطلق طلقتين في كل وقت، ثم أصبح العدد طلقة واحدة في عهد أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح.
أما الفلكي الراحل صالح العجيري فذكر، في إحدى تصريحاته الصحفية، أن ذلك المدفع اشترته الحكومة الكويتية بجانب صافرة إنذار للدفاع عن أهل الكويت من أي هجوم قد يحدث خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لم يتم استخدامهما نهائيا، لتأتي بعد ذلك فكرة استغلالهما للدلالة على مواقيت الإمساك والإفطار.
وفي خطوة تعكس حرص الكويت على إحياء هذا الموروث الرمضاني وتعزيزه، أضيف مدفعان جديدان إلى جانب مدفع قصر نايف، أحدهما في القصر الأحمر بمنطقة الجهراء، والآخر في “مول” الخيران بمدينة صباح الأحمد، ليشكلا معا رابطا جديدا يمتد من شمال الكويت إلى جنوبها.
ولم يضف هذا التوسع المزيد من البهجة والرمزية فحسب، بل جعل مدفع الإفطار أو الإمساك أقرب إلى قلوب الناس في مختلف مناطق البلاد، ليبقى صوته شهادة على احتفاظ الكويت بجذورها الأصيلة بالرغم من عوادي الزمن.