ويهدف هذا الملتقى الثقافي، الذي ينظم على مدى ثلاثة أيام تحت شعار “العمل الثقافي بين الرسمي والأهلي: جسور بين مكتبة الإسكندرية وأصيلة”، إلى تعميق العلاقات الثقافية المغربية–المصرية وتعزيز أدوار الشباب والمجتمع المدني في بناء جسور التواصل بين الشعوب.
ويندرج الملتقى، الذي ينظم بتعاون مع سفارة المملكة المغربية بالقاهرة ومؤسسة أصيلة، في إطار أنشطة “المسار الثقافي المصري – المغربي للحوار والذاكرة”، الذي يعرف تنظيم مجموعة من الأنشطة خلال الفترة من 24 إلى 31 يناير الجاري في كل من مدينتي القاهرة والإسكندرية وتشمل زيارات للمؤسسات الثقافية والمعالم التاريخية ولقاءات شبابية ومدنية وفضاءات مفتوحة للحوار الفكري والثقافي.
وأكد سفير صاحب الجلالة لدى جمهورية مصر العربية، محمد آيت واعلي، في كلمة مسجلة تم بثها في افتتاح هذا اللقاء، أن العمل الثقافي الأهلي، كما تمثله تجربة منتدى أصيلة على مدى أربعة عقود، يمكن أن يكون رافدا أساسيا للدبلوماسية الثقافية، مشيرا إلى أن هذه التظاهرة تشكل فرصة لتقريب المؤسسات الرسمية والمبادرات الأهلية للعمل المشترك في خدمة الثقافة، وتبادل الخبرات، وفتح آفاق جديدة في التعاون الثقافي بين مصر والمغرب، مع التأكيد على أن الثقافة تمثل استثمارا في مستقبل الأجيال ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وليس مجرد نشاط ترفيهي.
كما ذكر السفير المغربي بالدور الذي اضطلع به الراحل محمد بن عيسى، وزير الخارجية الأسبق ومؤسس منتدى أصيلة، وعضو أمناء مكتبة الاسكندرية، حيث كرس حياته لبناء جسور الحوار بين الثقافات، وحول مدينة أصيلة إلى عاصمة ثقافية عالمية.
وسلط الضوء على مسار التعاون الثلاثي بين المغرب ومصر على المستويات الثقافية والفكرية والاقتصادية،كما أكد أن الملتقى الذي يجمع مكتبة الإسكندرية ومنتدى أصيلة والمنتدى المتوسطي للشباب ي عد تجسيدا عمليا لهذا التعاون.
من جهته، أكد مدير مكتبة الإسكندرية، أحمد زايد، على أهمية التشبيك الثقافي بين مختلف الفاعلين والمثقفين في المغرب ومصر، مشيدا بالدور الذي تضطلع به مؤسسة منتدى أصيلة باعتبارها منصة عالمية للحوار، ومركزا للإشعاع الثقافي، وفضاء يلتقي فيه الشرق والغرب.
ودعا السيد زايد إلى صون الذاكرة الثقافية المشتركة بين البلدين وتعزيز الشراكة داخل الفضاءين العربي والمتوسطي، مؤكدا أن الثقافة يمكن أن تتحول إلى مشروع تربوي ورافعة أساسية للحوار بين الثقافات، وأن الاستثمار في الفكر هو استثمار في المستقبل، وأن الثقافة تظل لغة جامعة بين الشعوب.
من جانبه، نوه سفير جمهورية مصر العربية بالرباط أحمد نهاد عبد اللطيف، في مداخلة عبر تقنية الفيديو، بالزخم الذي يشهده المغرب في المجال الثقافي، من خلال العناية بالمتاحف والمؤسسات الثقافية، ودعم المبادرات الثقافية وتنظيم المهرجانات الفنية في مجالات الفن والمسرح.
من جهة أخرى، أكد رئيس المنتدى المتوسطي، ياسين إيصبويـا، أن اختيار شعار الملتقى “العمل الثقافي بين الرسمي والأهلي: جسور بين مكتبة الإسكندرية وأصيلة” يعكس قناعة راسخة بأهمية التكامل بين المؤسسات الرسمية ومبادرات المجتمع المدني، باعتباره مدخلا أساسيا لتفعيل الدبلوماسية الثقافية الناعمة وإشراك النخب الفكرية والشبابية في بناء علاقات دولية أكثر قربا من الإنسان وقيمه، مضيفا أن العلاقات المغربية المصرية شكلت، عبر التاريخ، نموذجا للتلاقي الحضاري والتفاعل الثقافي الخلاق.
وأوضح السيد إيصبويا أن هذا المسار الثقافي يندرج في انسجام تام مع الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي جعلت من الثقافة رافعة للتنمية الشاملة ومن الشباب فاعلا محوريا في بناء المستقبل، مبرزا الدينامية التي يعرفها المغرب في مجال التنمية الثقافية وتطوير الصناعات الإبداعية وتعزيز الإطار التشريعي المرتبط بالثقافة والشباب.
وفي نفس السياق، أكد نائب الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، توفيق لزاري، أن هذا الملتقى يشكل تتويجا لمسار طويل من التعاون الثقافي المتين بين المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، ولا سيما بين مدينتي أصيلة والإسكندرية، بالنظر إلى إشعاعهما الثقافي ودورهما الريادي في التعريف بالثقافة العربية والإفريقية داخل الفضاء المتوسطي وخارجه.
وبعد أن سلط الضوء على تجربة مؤسسة منتدى أصيلة وموسمها الثقافي الدولي، أبرز السيد لزاري إسهامها في ترسيخ الثقافة كرافعة للتنمية والحوار الحضاري، واعتماد نموذج مدني–أهلي مستدام يولي أهمية خاصة للشباب، مشيدا بالدور الريادي الذي تضطلع به مكتبة الإسكندرية كمؤسسة علمية وثقافية عالمية.
ويشهد الملتقى مشاركة نخبة من الدبلوماسيين والأساتذة الباحثين والخبراء والمثقفين من المغرب ومصر. وستتم خلاله مناقشة الصلات الثقافية المصرية المغربية باعتبارها رصيدا تاريخيا وحضاريا مشتركا شكل على الدوام أرضية للتفاعل والتلاقح الثقافي، إضافة إلى الدبلوماسية الثقافية التشاركية كجسر للتواصل، ودور الفاعلين الثقافيين والأكاديميين والمجتمع المدني في دعم العلاقات بين الدول خارج القنوات الرسمية التقليدية.
كما يتناول الملتقى موضوع الهوية الوطنية والتنوع الثقافي في سياق التحولات الإقليمية والدولية، وكيفية التوفيق بين الخصوصيات الوطنية والانفتاح الثقافي، بالإضافة إلى القوة الناعمة في خدمة العلاقات المصرية المغربية والعربية من خلال الثقافة والفنون والإبداع والإعلام والرياضة باعتبارها أدوات تأثير إيجابي وبناء. ويبحث الملتقى أيض ا الثقافة الرقمية ودور الشباب في إعادة صياغة الفعل الثقافي والدبلوماسية الثقافية في العصر الرقمي.
ويعد “المسار الثقافي المصري – المغربي للحوار والذاكرة” والملتقى المرافق له منصة مدنية للحوار الثقافي وفضاء لتقاسم الخبرات وتعزيز التقارب الإنساني، مؤكدا الرهان المشترك على الثقافة باعتبارها ذاكرة حية وأداة للحوار ورافعة للدبلوماسية الناعمة، بما يسهم في بناء مستقبل مشترك قائم على الاحترام والتفاهم والتعاون داخل الفضاء المتوسطي والعربي.