حين يتحول الدفاع الى تثبيت الإشاعة

ذ. كمال الهشومي

في أعقاب تجربة كأس إفريقيا 2025 بالمغرب، اتضح، وبقدرٍ من المفارقة الساخرة، أن جزءًا معتبرًا من “المنافسة” لم يكن فوق العشب، بل خارجه؛ في دهاليز السرديات السريعة، حيث تُدار معركة من نوع خاص، لا تُكافئ فيها الخوارزميات الحقيقة ولا الدقة، بل الضجيج، أيًّا كان مصدره أو مستواه.

ما حدث بسيط في شكله،لكنه مؤثر ومعقّد في أثره؛ أخبار زائفة وادعاءات متجنية، معلومة الهوية والمنشأ، أُطلقت ببرودة مهنية تُتقن فن التجني والكذب والاستفزاز أكثر مما تُتقن فن الصحافة. هذه المواد لولا إعادة تدويرها بدافع “الرد” و“والتكذيب”، لبقيت حيث وُلدت: في هامش الهامش. لكننا، بحسن نية ووطنية لا يُشك فيها، حوّلنا الرد إلى خدمة توزيع، ومنحنا صانعي الإشاعة ما يبحثون عنه تحديدًا وهو الانتشار.

هنا تكمن المفارقة الساخرة:

صانع الإشاعة لا يريدك أن تُصدّق؛ بل يريدك أن تُعيد النشر.

لا يطلب التعاطف؛ بل يطلب الاقتباس.

ولا يراهن على الإقناع؛ بل يراهن على الغضب.

وهكذا رأينا مرات متعددة كيف تتحول حادثة معزولة إلى “ملف”، وصورة مبتورة إلى “دليل”، وادعاء مفبرك إلى “قضية رأي عام”، بمجرد أن تتكاثر الردود، ويُذكر المصدر ذاته، وتُعاد الرواية نفسها ثم تُكذَّب. في هذا المسرح العبثي، يصبح التكذيب نفسه جزءًا من العرض، ويصعد الهامشي إلى مركز الخشبة، ويتحوّل التافه،بقدرة قادر، إلى “مؤثّر”.

والأدهى أن بعض من يُفترض فيهم الاحتراف يصرّون على لعب دور المروّج غير المقصود: ينسخون التدوينة، يضعون الصورة، يذكرون الاسم، يحددون المنصة، ثم يبدؤون التفنيد… فيكون الناتج مضاعفة الوصول، وتكريس الحضور، ومنح قيمة رمزية لمن لا يملكها أصلًا. إنها صحافة “كوبي كواي” بزيّ الغضب الوطني، أو – إن شئنا السخرية-مقاومة تُدار بخوارزميات الخصم.

الدفاع عن الوطن، في المقابل، لا يكون دائمًا بالصوت العالي ولا بالتحفّز الدائم. أحيانًا يكون أرقى بل وأذكى رد حين يتخذ شكل الصمت المدروس، أو التفنيد البارد الذي لا يُحيل ولا يُسمّي، أو نقل النقاش من الأشخاص إلى المعايير:

– فليس ضروريًا الإشارة إلى المصدر المعروف بسوء النية.

– وليس ضروريًا نسخ تدوينته أو إعادة نشر صورته.

– وليس ضروريًا ذكر الاسم أو المنصة أو “الصفة” التي تمنحه وزنًا لم يكن له.البديل أكثر فاعلية: تفكيك الفكرة دون إحالة، تصحيح المعلومة دون رابط، والارتقاء بالنقاش نحو الصورة الكبرى المتمثلة في نجاح التنظيم، صلابة البنية التحتية، نجاعة الأمن، حسن التدبير، ورسالة الدولة التي تشتغل بهدوء بينما يصرّ البعض على الصراخ من المدرجات الفارغة.

إن ليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل رد يخدم الحقيقة. ففي زمن الذكاء و الانتباه، قد يكون أذكى أشكال الدفاع هو أن نُخيب أمل صانع التضليل، ونحرمه من أهم ما يتغذّى عليه وهو “الضوء”.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد