بقلم: يونس ايت الحاج
لا يمكن الحديث عن هندسة الأمن الإقليمي والدولي دون الوقوف عند التجربة المغربية التي انتقلت، في ظرف وجيز نسبياً، من دور المراقب إلى موقع الفاعل المركزي الذي تبني عليه دول كبرى استراتيجياتها في مواجهة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود. فالمغرب لم يكتفِ بتعزيز منظومته الأمنية داخلياً، بل استطاع أن يفرض نفسه كشريك موثوق، قادر على إنقاذ بلدان كاملة من مآسٍ كانت وشيكة.
فإستثمار المغرب في الكفاءات البشرية والبنية التحتية الأمنية، عبر تطوير آليات العمل الاستباقي، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، واعتماد التكنولوجيا الحديثة لمواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود، هو ما جعل دوره بارزا على الصعيدين الإقليمي و العالمي، حيث تجلى أثر هذه المنهجية منذ أحداث الدار البيضاء، فقد وضعت المملكة أسس نهج أمني شامل، مكنها من الانتقال من مجرد رد الفعل إلى استراتيجية وقائية متكاملة، ما جعل تجربتها مرجعاً يُستفاد منه.
كما يشهد العالم اليوم على الدور الحيوي الذي يلعبه المغرب، حيث لم يقتصر تأثير جهوده الأمنية على الداخل فحسب، بل امتد إلى الخارج، كما ظهر بوضوح خلال الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس سنة 2015، حين ساعدت المعلومات الدقيقة التي وفرتها الأجهزة المغربية في تحديد مكان العقل المدبر لتلك العمليات وإحباط مخطط كان سيؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة.
وفي خضم عالم يزداد اضطراباً، حيث تتداخل الهجمات الإرهابية مع الجرائم السيبرانية وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، يبرز المغرب كأحد النماذج القليلة التي استطاعت الجمع بين الفعالية الأمنية والقدرة على بناء شراكات دولية واسعة، الشيء الذي يؤكد ثقة المجتمع الدولي في إمكانياته ومصداقيته.
ويأتي هذا الاعتراف الدولي في سياق انعقاد الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول في مراكش بين 24 و27 نونبر الجاري، والذي يعد أكبر ملتقى عالمي لقادة أجهزة الشرطة وقوى الأمن من مختلف الدول. حيث تعتبر الجمعية العامة أعلى هيئة حاكمة للإنتربول، والتي بدورها تتخذ القرارات الرئيسية التي تؤثر على السياسة العامة، والموارد اللازمة للتعاون الدولي، وطرق العمل، والشؤون المالية للمنظمة، مما يجعل الحدث منصة مثالية لتعزيز التعاون الدولي ومناقشة التحديات الأمنية العابرة للحدود.
اليوم، يسير المغرب بثبات نحو تكريس دوره كجسر يربط كافة القارات، في زمن بات فيه الأمن مسؤولية مشتركة لا يمكن لأي دولة تحملها بمفردها. وما يميز التجربة المغربية أنها تقدم نموذجاً واقعياً، بعيداً عن الخطابات النظرية، قائم على الاستباق، والتنظيم المحكم، والتعاون المتين، وهو ما يجعل المملكة المغربية رقماً صعباً في المعادلة الأمنية الدولية، وصوتاً لا يمكن تجاهله في عالم يبحث عن أمثلة ناجحة وسط الفوضى المتشابكة.
للتوصل بمستجدات الموقع كل يوم على بريدكم الالكتروني المرجو التسجيل في نشرتنا البريدية.