السودان ….التحول الدراماتيكي في خطاب الإسلاميين تجاه السعودية وترمب

د. عمر زكريا أبو القاسم ـ الرباط

خلال الأيام الأخيرة شهدت الساحة السودانية تغيّراً لافتاً في خطاب الإسلاميين وداعمي الحرب، حيث انتقلوا فجأة من لغة النقد والاتهام تجاه السعودية والولايات المتحدة، إلى لغة الثناء والمديح، مستندين إلى تصريحات بسيطة صادرة عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حول ضرورة إيجاد حل للأزمة السودانية.

هذا التحول، بسرعته وحدّته، يطرح سؤالاً مهما:

 

هل هو تعبير عن قناعة سياسية جديدة، أم محاولة لالتقاط أنفاس داخل سياق إقليمي متحرك؟

 

تسعى هذه القراءة إلى تفكيك هذا التحول من منظور سياسي، بعيداً عن الانفعالات، وبالاستناد إلى معطيات مرتبطة بتوازنات القوة والمعادلات الإقليمية.

 

أولاً: إعادة التموضع أمام ميزان قوى متحوّل

 

يدرك الإسلاميون أن ميزان القوى في المنطقة لم يعد كما كان قبل سنوات.

 

فالسعودية أصبحت اللاعب الأهم في الملف السوداني، سواء من حيث التأثير السياسي أو القدرة على الدفع نحو حل إقليمي مدعوم دولياً، بينما تمثل الولايات المتحدة ـ بغض النظر عمّن يحكم البيت الأبيض ـ الضامن الأساسي لأي تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

 

لهذا، يبدو التحول في خطاب الإسلاميين محاولة لإعادة التموضع أمام القوى الجديدة المؤثرة.

 

فمديح محمد بن سلمان ليس ناتجاً عن مراجعات أيديولوجية، بل عن إدراك أن النافذة الدولية التي كانت مغلقة في وجوههم قد تُفتح جزئياً عبر بوابة الرياض.

 

أما الحفاوة المفاجئة بتصريحات ترمب، فهي جزء من رهان على أن الإدارة الأمريكية القادمة قد تتعامل بواقعية مع الأطراف المختلفة، بما فيها التيارات التي كانت واشنطن تتحفظ تجاهها.

 

ثانيا: أزمة شرعية ومحاولة لكسر العزلة

 

منذ اندلاع الحرب، واجه الإسلاميون عزلة غير مسبوقة دولياً وإقليمياً. فما واجهوه من اتهامات واسعة بالانتهاكات، والإرث الثقيل لثلاثة عقود من حكمهم، جعلتهم غير مرحب بهم في أي ترتيبات سياسية.

 

هذه العزلة دفعتهم إلى تبني خطاب داعم لأي تصريح خارجي، يبدو كأنه يفتح لهم نافذة للعودة إلى المشهد.

 

مديح السعودية ليس، كمال يبدو، مجرد رغبة في التقارب، بل هو ـ في العمق ـ إعلان ضمني بأنهم ما يزالون موجودين ويتابعون التحولات الدولية ويحاولون التكيف معها.

 

وبالنسبة لترمب، فإن الإشادة به تأتي على خلفية ما يعتبرونه فرصة لإعادة كسر الجمود مع الولايات المتحدة، خاصة أن بعض التيارات الإسلامية العالمية تراهن على براغماتيته السياسية.

 

ثالثاً: البراغماتية السياسية تغلب على الأيديولوجيا

 

الحركة الإسلامية، رغم خطابها العقائدي، كانت دائما شديدة البراغماتية في لحظات الأزمات.

 

يوم أمس كانت السعودية تُتَّهم بتمويل خصومهم، والولايات المتحدة تُوصف بأنها الشيطان الأكبر. واليوم أصبحتا مفتاح الحل وسقفاً سياسياً مشرفاً.

 

هذا التناقض ليس معزولاً، بل يعكس حقيقة أن الخطاب الأيديولوجي يتراجع دائماً عندما تصبح الجماعة في حاجة إلى دعم خارجي أو شرعية وفرص نجاة.

 

فالدول، بخلاف الجماعات، لا تتحرك بالشعارات، بل بالمصالح.

 

والإسلاميون يدركون أن التناقض بين خطابهم السابق والحالي لن يُحاسَبوا عليه دولياً، طالما أن الواقع السياسي يفرض عليهم تغيير اللغة.

 

رابعاً: خطاب موجّه للخارج… ورسالة للداخل

 

من الواضح أن التحول في الخطاب لا يستهدف الخارج فقط، بل يحمل رسائل موجهة لقاعدتهم الداخلية أيضاً.

 

فالإشادة بدور محمد بن سلمان أو ترمب تمثل محاولة للتأكيد على أنهم ما يزالون لاعبين في الساحة، وأنهم قادرون على الانفتاح على القوى المؤثرة.

 

هذا الخطاب يهدف إلى منع انهيار الصف الداخلي، ورفع الروح المعنوية وسط حالة الغموض السياسي التي تحيط بمستقبلهم.

 

خامساً: لحظة ارتباك.. لا رؤية استراتيجية

 

السرعة التي حدث بها التحول تكشف أنه ليس جزءاً من استراتيجية مدروسة، بل هو رد فعل لحظي على تصريحات خارجية، بدت لهم وكأنها تمنحهم مساحة للتحرك.

 

أما على المستوى العملي، فليس ثمّة ما يدل على أنهم يمتلكون رؤية متكاملة للتعاطي مع المرحلة القادمة، سواء في الداخل أو الإقليم أو المجتمع الدولي.

 

هذا الارتباك قد يفسَّر بأنه محاولة للهروب من عزلة سياسية خانقة، أكثر من كونه تعبيراً عن اتجاه سياسي مستقر.

 

في الختام ..

 

لا يمكن قراءة هذا التحول المفاجئ في خطاب الإسلاميين وداعمي الحرب إلا باعتباره محاولة اضطرارية لإعادة التموضع في سياق إقليمي ودولي متغير.

 

إنه ليس تحوّلاً فكرياً أو أيديولوجياً، بل تغيير تكتيكي فرضته المعطيات التالية:

 

• تزايد دور السعودية في الملف السوداني.

 

• عزلة الحركة الإسلامية وفقدان شرعيتها.

 

• الحاجة إلى فتح نافذة تواصل مع القوى المؤثرة في المشهد.

 

• الارتباك السياسي الداخلي ومحاولة الحفاظ على التماسك التنظيمي.

 

وعليه، فإن هذا المديح لا يعكس رؤية جديدة، بل سلوك جماعة تبحث عن مخرج في لحظة حرجة، وتحاول الإمساك بأي خيط يمكن أن يعيدها إلى طاولة التفاوض أو المشهد السياسي.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة

للتوصل بمستجدات الموقع كل يوم على بريدكم الالكتروني المرجو التسجيل في نشرتنا البريدية.

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبولقراءة المزيد