محمد الكيحل”*”
أولا: سياق الاجتماع الملكي بالأحزاب السياسية
كما جاء في بيان الديوان الملكي الذي صدر عقب هذا الاجتماع هو دعوة جلالة الملك محمد السادس نصره الله الأحزاب السياسية إلى تقديم تصورات ومقترحات بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وهي خطوة تؤشر على بدء العمل على المقترح قبل تقديمه للأمم المتحدة. فحرص الملك على استشارة الأحزاب السياسية في قضية الصحراء المغربية هو نابع من المقاربة التشاركية التي ما فتئ ينتهجها الملك مع مختلف المؤسسات الدستورية والهيئات والمنظمات السياسية والمدنية في مختلف القضايا ذات الأهمية كما هو الحال بالنسبة لقضية الصحراء التي تعتبر قضية مصيرية لجميع المغاربة ملكا وحكومة وشعبا.
هذا الاجتماع أملته وفرضته المستجدات والتطورات التي شهدتها قضية الصحراء المغربية ؛ فهو يأتي في وقت دخل فيه نزاع الصحراء المفتعل مرحلة جديدة بعد أن تبنى مجلس الأمن، نهاية الشهر الماضي، قرارا كرس من خلاله مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لتسوية النزاع، منهيا بذلك عقودا من المراوحة والجمود في أورقة الامم المتحدة. وهو يعكس من جهة ثانية بداية الشروع في تفعيل قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797/2025 ومنطوق الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى الأمة المغربية بشأن هذا الموضوع، والذي تضمنت فقراته الإشارة والتأكيد على أن المغرب سيقوم بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لهيأة الأمم المتحدة منذ عام 2007 لطمأنة المنتظم الدولي بخصوص هذه المسألة. كما يعكس من جهة أخرى، كما أنه يمكن اعتبار الخطاب الملكي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي جاء مباشرة بعد انتهاء عملية التصويت على القرار الأممي، موافقة مبدئية من المغرب لما تضمنه القرار من مستجدات قانونية ودبلوماسية لصالح المملكة.
ثانيا: الدلالات التاريخية والرمزية
للاجتماع الملكي الأخير بالأحزاب السياسية عدة أبعاد قانونية وسياسية وحمولات استراتيجية واستشرافية؛ من حيث الدلالات التاريخية والرمزية، فمختلف مكونات الأمة المغربية ملكا وشعبا وحكومة وأحزاب سياسية ومختلف التنظيمات النقابية والمدنية والنخب الأكاديمية تعتبر أن قرار مجلس الأمن الأخير يعتبرا منعطفا هاما في مسلسل التدبير الأممي لنزاع الصحراء المفتعل؛ بحيث وصف اليوم الذي صدر فيه هذا القرار باليوم التاريخي والتحول الحاسم في مسار هذا الملف الذي يشكل واحدة من أطول الأزمات الإقليمية في المنطقة، وبالنظر إلى أهمية هذا الحدث، فقد صدر يوم 4 نونبر بلاغ ملكي تقرر بموجبه جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا حيث أطلق عليه “عيد الوحدة” بما يحمله من دلالات وإحالات على الوحدة الوطنية والترابية الراسخة للمملكة وتشبت المغاربة جمعاء من طنجة إلى الكويرة بالمقدسات الوطنية للمملكة وحقوقها التاريخية المشروعة.
ثالثا: الدالات القانونية والسياسية
أما من حيث الأبعاد القانونية والسياسية لإشراك الأحزاب والمؤسسات الوطنية في قضايا مصيرية وسيادية ؛ فهو أمر نخاله طبيعي ومنطقي بالنظر إلى المكانة التي تحظى بها الأحزاب السياسية في النسق السياسي المغربي وهرم السلطة بالدولة، فهي تحظى بمكانة دستورية وقانونية بالغة الأهمية، كما تضطلع بأدوار هامة في التأطير السياسي والتنشئة السياسية والاجتماعية والمساهمة في بناء الهوية والمواطنة المغربية من خلال عملية التوعية والتثقيف السياسي؛ كما أن إشراكها هو أمر ضروري بالنظر إلى طبيعة المرحلة الدقيقة والمفصلية التي تمر منها المملكة فيما يتعلق بالحسم النهائي لقضية الصحراء؛ وبالتالي على الأحزاب السياسية أن تتحمل مسؤوليتها الدستورية والقانونية وتضطلع بالأدوار المنوطة بها في مختلف مجالات اشتغالها مع ضرورة تغيير الصورة السلبية والنمطية التي أضحت مرسومة وعالقة في أذهان وعقول المواطنين والمخيال الاجتماعي للمغاربة للأسف الشديد، وهو موضوع يحتاج لنقاش آخر.
وهناك دلالة قانونية وسياسية أخرى يمكن أن نستشفها من إشراك جلالته للأحزاب السياسية في موضوع الحكم الذاتي؛ قد يؤشر ذلك على أن المغرب سيدخل مرحلة جديدة تفرضها مستجدات قضية الصحراء والسياق الاقليمي والدولي الداعم للطرح المغربي وهو ما يستدعي بداية التنزيل الفوري للحكم الذاتي لإرباك الطرف الآخر- من خلال المرور إلى السرعة القصوى في أنهاء هذا الملف واستغلال الزخم السياسي الداخلي والسياق الدولي الملائم – لأنه أصبح خارج المرحلة والسياق وبدون إطار للاشتغال ولا زال يتلكأ أطروحته البالية والمتجاوزة والتي تخالف منطق التاريخ والجغرافيا السياسية والتوجهات الإقليمية والدولية، وتعاكس حلم الشعوب المغاربية في التوحد والاندماج والتعاون والمصير المشترك، حيث تم إقبار الطرح المناوئ للطرح المغربي والمتمثل في أطروحة تقرير المصير والانفصال إلى الأبد بمقتضى القرار الأمم الأخير، بينما منح هذا القرار أريحية لصناع القرار بالمغرب للتحرك سريعا للحسم النهائي لهذا الملف الذي طال أمده، خاصة وأن المغرب أصبحت مجهوداته في هذا الإطار منسجمة ومتناغمة على توجهات الأمم المتحدة باعتبارها الهيأة الوحيدة المخول لها في البث والنظر في هذا الملف، عكس الظرف الآخر الذي وجده نفسه محصورا في الزاوية الضيقة ولا مجال له للمناورة والحركة، فما عليه إلا الاشتغال داخل الطرح المغربي وضمن نطاق تصورات وقرارات الأمم المتحدة.
كما يمكن أن يؤشر ذلك على أن المغرب قد يتجه للقيام بتعديل دستور خلال الشهور القادمة وقد تستتبعه انتخابات مبكرة، حيث يتطلب الأمر إعادة النظر في بعض الأحكام الدستورية وخاصة تلك المتضمنة في الباب التاسع من الوثيقة الدستورية المعنون ب: الجهات والجماعات الترابية الأخرى”، والذي تمتد فصوله من الفصل 135 الى الفصل 146، وهي الفصول التي ترسم هندسة ومعالم التنظيم الجهوي والترابي، ويؤسس لمنطق جديد وهي مقتضيات تشكل مرجعية دستورية مرنة يمكن البناء عليها لتوسيع صلاحيات الجهات لا سيما المناطق ذات الخصوصية التاريخية والثقافية كما الحال بالنسبة للأقاليم الجنوبية للمملكة؛ وذلك من منطلق أن مفهوم الجهوية المتقدمة يمكن أن يشكل مدخلا من مداخل تطبيق الحكم الذاتي في هذه المنطقة إذا ما فتم تفعيل المقتضيات الواردة في الباب التاسع من الدستور في أقصى مداها، وهو ما يفتح الباب أمام نمط من الحكم الذاتي المؤسسي المنضبط لمبدأ وحدة الدولة والمندمج في منطق السيادة الوطنية دون الحاجة إلى إحداث قطيعة من النظام الدستوري القائم حاليا بالمملكة، وفي كل الأحوال يتطلب الأمر أجراء تعديل للوثيقة الدستورية لجعلها تتلاءم مع التطورات والمستجدات الحاصلة في ملف الوحدة الترابية، بل الأكثر من ذلك فالهندسة القانونية لدستور يمكن اعتبارها تمهيدا ومرحلة أولية لتطبيق الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية وهوما تؤكده القراءة القانونية والسياسية لأحكام الدستور وخاصة مقتضيات الباب التاسع كما أشرنا الى ذلك.
ثالثا: الحمولات الاستراتيجية والاستشرافية
وهناك حمولات استراتيجية واستشرافية لهذا الاجتماع ومشاركة الأحزاب السياسية، تؤكد على الرؤية الاستباقية والاستشرافية لصاحب الجلالة فيما يتعلق بملف تدبير نزاع الصحراء، بفضل الرؤية الملكية الحكيمة والمتبصرة وصل هذا الملف إلى مرحلة الحسم النهائي وقد سبق لجلالة الملك محمد السادس فقد أكد على هذا الأمر في خطب ملكية سامية سابقة. وهو ما يستدعي بطبيعة الحال استشعار مختلف القوى الحية بالبلاد وإشراكها في تقديم التصورات والمقترحات بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وكذا اشعارها بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر منها قضية الوحدة الوطنية، واستشعارها بالتحديات والمنعرجات التي قد تعترض بعض جوانب تفعيل الحكم الذاتي في ظل التأويلات والقراءات الخاطئة وغير الصحيحة يرددها ويروجها المناوئين للوحدة الترابية، مع رصد الصفوف والجبهة الداخلية حتى لا يتعرض المغرب لضغوطات خارجية قد تتعارض مع المصالح المغربية الاستراتيجية وخاصة من قبل بعض القوى الاقليمية والدولية الفاعلة في مسرح الأحداث الدولية والتي لا تحركها إلا المصالح الاقتصادية الضيقة لبلدانها وتفعيل أجنداتها الجيوسياسية بالمنطقة، ولو كان ذلك على حساب المصالح العليا والاستراتيجية للمملكة وتوجهاتها الجيواستراتجية في محيطها الاقليمي والقاري.
ومن منطلق الرؤية الاستراتيجية والاستشرافية جاء الإعلان عن المبادرة المغربية الأطلسية والساحلية؛ فقد جاء الإعلان عن المبادرة الأطلسية في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 48للمسيرة الخضراء، والتي تروم إعادة هيكلة الفضاء الإفريقي الأطلسي بغاية تحويل الواجهة الأطلسية لبلادنا إلى فضاء للتواصل الإنساني والتكامل الاقتصادي والإشعاع القاري والدولي، بالنظر لما يتمتع به الفضاء الأطلسي من مؤهلات طبيعية اقتصادية هائلة غير مستغلة بالشكل الأمثل؛ فبلدانه تمثل 46% من سكان القارة الأفريقية وهو ما يعني امتلاكها قوة بشرية هائلة يمكن الاعتماد عليها في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة في حال قيام دول المنطقة بتنفيذ اتفاقيات للتكامل الاقتصادي والتجاري. كما أنها تساهم بحوالي 57% من حركة التجارة القارية وحوالي 55% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية، علما أن هذا التوجه قد تزامن مع البدء في تنفيذ مشروع إنشاء أنبوب لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية بطول 5660 كم مروراً بـالعديد من دول غرب أفريقيا الأمر الذي سيساهم في تنميتها وازدهارها خلال السنوات والعقود القادمة.
فالأقاليم الجنوبية، بفضل النهضة التنموية الكبرى التي شهدتها في البنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة، بكبريات المدن بالصحراء كالعيون ومدينة الداخلة التي تشكل المنفذ البحري والبري للمغرب بجواره الجغرافي ، أصبحت اليوم قاطرة للتنمية ومحورا استراتيجيا للانفتاح على العمق الإفريقي وبلدان أمريكا اللاتينية، ما جعلها نموذجا في التخطيط الجهوي والعدالة المجالية. ولا شك أن ربط دول المنطقة بالساحل الاطلسي سيساهم في بلورة وتنفيذ عدد من المشاريع الكبرى العابرة للحدود الإقليمية التي أجهضت بالمنطقة لعدم الجدوى الاقتصادية بالنظر لارتفاع تكلفتها المالية الباهظة، أو ارتباطا بعوائق جغرافية قاهرة حالت ولازالت تحول دون استغلال ثرواتها الطبيعية الهائلة لانعدام طرق الربط مع الموانئ الأطلسية. ولذلك سيسمح هذا الربط الذي تتيحه المبادرة من بناء تكتل اقتصادي وسياسي واعد يجمع بين المملكة والبلدان الأطلسية والساحلية، ما يعطي دينامية اقتصادية لهذه للمنطقة التي ظلت تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية نتيجة للآثار السلبية الناجمة عن مخلفات الحقبة الاستعمارية فضلا عن غياب وجود استقرار في أنظمة الحكم السياسية بالمنطقة بسبب الانقلابات العسكرية وغياب الديمقراطية في البلدان المعنية. وبالتالي فيمكن النظر إلى الاجتماع الملكي الأخير بالأحزاب السياسية ومطالبته بتقديم اقتراحات وتصورات حول الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية يجب فهمه من منظور التحليل الاستراتيجي في إطاره العام والشامل، أي أنه يندرج ضمن التوجهات الاستراتيجية والجيوسياسية للسياسة الخارجية للمملكة باعتبارها قوة إقليمية صاعدة ومؤثرة في محيطها القاري والدولي.
“*”استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الافريقية جامعة محمد الخامس بالرباط ورئيس مركز إشعاع للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية
للتوصل بمستجدات الموقع كل يوم على بريدكم الالكتروني المرجو التسجيل في نشرتنا البريدية.