وسط ترقّب الكبار.. خطاب السعدي بين اجترار الشعارات وتغافل الحقيقة

قدّم لحسن السعدي، رئيس الفيدرالية الوطنية للشبيبة التجمعية، خطابًا حاول من خلاله أن يمنح الحكومة الحالية هالة “النضج الحزبي” و”الرؤية الشبابية المسؤولة”، غير أن مضامين هذا الخطاب لم تحمل جديدًا يُذكر، بل جاءت استمرارًا لأسلوب استُهلك طويلاً في الساحة السياسية المغربية: ترديد الشعارات، وتزيين الواقع، دون تقديم حلول واقعية لانتظارات المواطنين.

 

السعدي تحدّث بحماسة عن مشاريع كبرى في الاستثمار والصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، مركزًا أكثر على أن هذه الأوراش هي نتاج رؤية حزبية، ويبدو أنه تغافل أو نسي نتيجة حماسه المتزايد بعض الشيء بأنها ثمرة تخطيط استراتيجي من أعلى هرم الدولة. فجلالة الملك محمد السادس هو من أطلق هذه المبادرات، ويشرف شخصيًا على تنفيذها وتتبع نتائجها على الأرض، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والاصطفافات الانتخابية.

 

اللافت أن هذا النوع من الخطابات الدعائية يُقابلها ترقّب وصمت بعض الكبار داخل حزب التجمع الوطني للأحرار وحتى خارجه؛ أولئك الذين يُفضّلون التحليل الهادئ على الاستعراض الإعلامي. شخصيات مرموقة خدمت الدولة في مواقع متعددة، دون أن تُحاول يومًا ركوب موجة الإنجازات الملكية، أو تحويل العمل المؤسساتي إلى فرصة للظهور أو التباهي.

 

أما الإيحاء بأن من سبق قد فشل، وأن الحكومة الحالية “صنعت الفارق”، فهو تجاهل صارخ لدور الحزب نفسه في الحكومات السابقة، مما يُفرغ الخطاب من التواضع السياسي، ويفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بالمصداقية والتاريخ السياسي القريب.

 

إن احترام المؤسسات لا يكون بالشعارات، بل يبدأ من احترام وعي المواطنين وذاكرتهم. فالمشاريع الوطنية الكبرى ليست أوراقًا انتخابية، بل أفق استراتيجي ترسمه المؤسسة الملكية بدقة، ويشارك فيه الجميع بمسؤولية، لا بادعاء التفوق.

 

وختامًا، نقول لكاتب الدولة الشاب، ركوب الموج لا يكفي لإجادة السباحة، ولا البحر يُهاب من سطحه. السياسة، يا سيدي، ليست استعراضًا فوق المياه، بل غوصٌ في العمق، يحتاج إلى بوصلة التجربة، وصبر الحكماء، وبعد نظر من خبر أمواج هذا الوطن. فالهدير لا يُرهب من يعرف التيارات، والزعامة لا تُصنع من حماسة مرتجلة، بل من وعي عميق بأن الوطن لا يُخاطب من فوق، بل يُخدم من الداخل، بصمت الكبار، لا صخب الصاعدين.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد