*بقلم الاستاذ :سي لحبيب شباط.
يأتي مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027، رقم 60-26، في سياق تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتتنامى معه انتظارات المواطنين بشأن تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويكشف الاطلاع على مقتضيات المشروع عن توجه حكومي يقوم على مواصلة تعبئة الموارد الجبائية، وتعزيز آليات التحصيل والمراقبة، والحفاظ على مستوى مهم من الاستثمار العمومي، مع استمرار اللجوء إلى الاقتراض لتغطية الحاجيات التمويلية للدولة.
غير أن قراءة متأنية في الأرقام والتدابير المقترحة تطرح مجموعة من التساؤلات الجوهرية: هل تعكس الميزانية ترتيباً عادلاً للأولويات الوطنية؟ وهل ستنعكس المجهودات المالية على الحياة اليومية للمواطنين؟ وإلى أي حد تنسجم الامتيازات الجبائية الممنوحة لبعض المؤسسات والأنشطة مع مبادئ المساواة والعدالة الضريبية؟
* ميزانية بأرقام كبيرة وحاجيات تمويلية متزايدة.
تشير المعطيات الواردة في مشروع قانون المالية إلى توقع بلوغ المداخيل العادية للميزانية العامة نحو 482.42 مليار درهم، منها حوالي 437.40 مليار درهم من المداخيل الجبائية، مقابل نفقات عادية تقدر بنحو 433.08 مليار درهم.
كما تبلغ نفقات الموظفين حوالي 195.67 مليار درهم، في حين تصل الاعتمادات المخصصة للاستثمار في الميزانية العامة إلى 138.03 مليار درهم.
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار المجهود المالي للدولة، سواء في تغطية نفقات التسيير أو تمويل المشاريع الاستثمارية.
لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في ارتفاع الحاجيات التمويلية، حيث يتوقع المشروع تعبئة 120 مليار درهم من القروض الجديدة المتوسطة والطويلة الأجل، بينما تبلغ فوائد وعمولات الدين العمومي نحو 45.94 مليار درهم.
وهنا يبرز سؤال أساسي يتعلق بمدى استدامة هذا النموذج التمويلي، خاصة أن تخصيص موارد مهمة لخدمة الدين قد يحد من هامش المناورة المتاح للدولة مستقبلاً.
فالاقتراض ليس إشكالاً في حد ذاته، إذا كان موجهاً نحو استثمارات منتجة وقادرة على خلق الثروة وفرص الشغل. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان المردودية الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع الممولة، وتفادي تحول المديونية إلى عبء دائم على الأجيال المقبلة.
* العدالة الجبائية بين الإصلاح واستمرار الاختلالات
يشكل الجانب الجبائي أحد أبرز محاور مشروع قانون المالية لسنة 2027، من خلال تعديل بعض المقتضيات المتعلقة بالضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضرائب غير المباشرة.
وفي هذا الإطار، يتضمن المشروع جدولاً تصاعدياً للضريبة على الدخل، يقوم على إعفاء الشريحة السنوية التي لا تتجاوز 60 ألف درهم، مع تطبيق نسب تتراوح بين 10 و30 في المائة على الشرائح الأعلى.
ورغم أهمية اعتماد التصاعدية في النظام الضريبي، فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يتجاوز نسب الضرائب إلى مدى عدالتها الفعلية، ومدى مساهمة مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية في تحمل الأعباء العمومية.
فلا يمكن تقييم أي إصلاح جبائي بمعزل عن تأثيره على الأجراء والطبقات المتوسطة والمقاولات الصغيرة، أو دون دراسة كيفية توزيع العبء الضريبي بين الدخل والاستهلاك والأرباح والثروات.
كما ينص المشروع على إخضاع بعض الشركات الكبرى العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات لضريبة على الشركات بنسبة 40 في المائة، عندما تبلغ أرباحها الصافية 100 مليون درهم أو أكثر.
ويمكن النظر إلى هذا الإجراء باعتباره محاولة لتعزيز مساهمة الشركات ذات الأرباح المرتفعة في تمويل الميزانية العامة.
غير أن فعاليته الاجتماعية تظل مرتبطة بمدى قدرة السلطات العمومية على ضمان عدم تحميل المستهلك النهائي تكاليف إضافية عبر أسعار المحروقات، بما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات.
* المقاولات الصغيرة أمام تحدي السيولة المالية
من بين المقتضيات التي تستحق نقاشاً اقتصادياً معمقاً، اعتماد تسبيق ضريبي بنسبة 5 في المائة من القيمة الجمركية بالنسبة لبعض عمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع دون تحويل.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز التحصيل الجبائي والحد من حالات عدم الامتثال الضريبي.
لكن تطبيقه قد يطرح صعوبات بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، خاصة تلك التي تعتمد على السيولة المالية لتغطية عمليات الاستيراد والتوزيع.
فإلزام المقاولة بأداء تسبيق ضريبي عند الاستيراد، حتى مع وجود آليات لاحقة للخصم أو الاسترداد، قد يزيد من حاجياتها التمويلية ويضعف قدرتها على المنافسة.
وتزداد أهمية هذا الإشكال إذا كانت آجال استرداد المبالغ طويلة، أو إذا واجهت المقاولات صعوبات في الولوج إلى التمويل البنكي.
ومن ثم، فإن نجاح هذا الإجراء يقتضي الموازنة بين حق الدولة في تحصيل الضرائب وضرورة الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، خاصة بالنسبة للمقاولات التي تشكل جزءاً مهماً من النسيج الإنتاجي والتجاري الوطني.
* امتيازات الفيفا تثير سؤال المساواة أمام الضريبة
لعل من أكثر المقتضيات إثارة للنقاش في مشروع قانون المالية تلك المتعلقة بالإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لبعض المؤسسات والكيانات المرتبطة بالاتحاد الدولي لكرة القدم، في إطار تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.
فالمشروع ينص على إعفاءات تشمل بعض السلع والمعدات المستوردة لفائدة الفيفا والجهات المرتبطة بها، وفق شروط وفترات زمنية محددة.
ومن الطبيعي أن تسعى الدولة إلى توفير الظروف الملائمة لإنجاح التظاهرات الدولية الكبرى، بالنظر إلى ما يمكن أن تحققه من إشعاع دولي واستثمارات وفرص اقتصادية.
غير أن ذلك لا يلغي ضرورة طرح أسئلة تتعلق بالتكلفة المالية لهذه الامتيازات، وبمدى تناسبها مع العوائد الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
فما القيمة الإجمالية للمداخيل الجبائية التي ستتنازل عنها الدولة؟ وما الضمانات المتاحة لكي تستفيد المقاولات الوطنية واليد العاملة المغربية من هذه التظاهرات؟ وكيف يمكن التأكد من أن المنافع الاقتصادية ستتجاوز نطاق الجهات المستفيدة مباشرة من الإعفاءات؟
إن منح امتيازات جبائية استثنائية لمؤسسات دولية، في وقت تخضع فيه المقاولات الوطنية لالتزامات ضريبية متزايدة، يستدعي تبريراً اقتصادياً واضحاً، ونشراً منتظماً للمعطيات المتعلقة بتكلفتها ومردوديتها.
فالرهان لا ينبغي أن يقتصر على نجاح تنظيم التظاهرات، بل يجب أن يمتد إلى ضمان استفادة الاقتصاد الوطني والمواطنين من آثارها الإيجابية على المدى الطويل.
* الاستثمار العمومي: هل تكفي الاعتمادات المالية؟
يخصص مشروع قانون المالية نحو 138.03 مليار درهم للاستثمار في إطار الميزانية العامة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على الإنفاق الاستثماري باعتباره إحدى أدوات دعم النمو والتنمية.
غير أن حجم الاعتمادات لا يشكل وحده مؤشراً كافياً للحكم على فعالية السياسة الاستثمارية.
فالمعيار الحقيقي يتمثل في جودة المشاريع، وآجال إنجازها، وتوزيعها المجالي، وقدرتها على خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية.
وفي هذا السياق، يثير المقتضى الذي يسمح بتطبيق احتياطي احترازي بنسبة 15 في المائة على اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار تساؤلات مشروعة حول
تأثيره المحتمل على تنفيذ المشاريع.
ورغم أن هذا الإجراء قد يندرج ضمن آليات التدبير الحذر للمالية العمومية، فإن تطبيقه دون معايير واضحة قد يؤدي إلى تأخير بعض الاستثمارات أو تقييد وتيرة إنجازها.
ومن هنا تبرز ضرورة ضمان ألا تتحول إجراءات الضبط المالي إلى عامل يحد من تنفيذ المشاريع ذات الأولوية الاجتماعية، خاصة في المناطق التي تعاني خصاصاً في التجهيزات الأساسية والخدمات العمومية.
* الصحة والتعليم والقدرة الشرائية: أين يظهر أثر الميزانية على المواطن؟
يبقى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن المغربي مرتبطاً بمدى انعكاس الخيارات الميزانياتية على ظروفه المعيشية.
فالمواطن لا يقيس نجاح الميزانية فقط بحجم المداخيل أو الاعتمادات المرصودة، وإنما بمدى تحسن جودة التعليم، وتوفر الخدمات الصحية، وتراجع البطالة، واستقرار الأسعار، وإمكانية الحصول على السكن والخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مشروع قانون المالية ينبغي أن يقوم على مؤشرات اجتماعية واضحة وقابلة للقياس.
ففي قطاع الصحة، لا يكفي الإعلان عن الاعتمادات المالية دون تقييم أثرها على توفر الأطر الطبية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين الخدمات الاستشفائية.
وفي قطاع التعليم، لا ينبغي اختزال الإصلاح في حجم النفقات، بل يجب ربطه بجودة التعلمات، ومحاربة الهدر المدرسي، وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمناطق.
أما في ما يتعلق بالقدرة الشرائية، فإن أي سياسة جبائية أو مالية يجب أن تراعي تأثيرها المباشر وغير المباشر على أسعار السلع والخدمات، خاصة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وتزداد أهمية هذه المقاربة عندما يتعلق الأمر بالضرائب غير المباشرة، التي قد يتحمل المستهلك جزءاً من تكلفتها النهائية.
* الفوارق المجالية وتحدي التوزيع العادل للاستثمارات
من القضايا التي ينبغي أن تحظى بمكانة مركزية في النقاش حول ميزانية 2027 مسألة العدالة المجالية.
فاستمرار الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الجهات الأكثر استفادة من الاستثمارات وتلك التي تعاني ضعف التجهيزات والخدمات، يفرض اعتماد معايير أكثر وضوحاً في توزيع الموارد العمومية.
ولا ينبغي أن يقاس نجاح الاستثمار العمومي فقط بحجم المشاريع الكبرى أو قيمتها المالية، بل كذلك بمدى مساهمتها في تقليص التفاوتات بين المواطنين والمجالات الترابية.
إن تحقيق التنمية المتوازنة يتطلب توجيه جزء كافٍ من الموارد نحو المناطق الأقل استفادة، مع إخضاع البرامج الاستثمارية لتقييم دوري يوضح نتائجها الفعلية.
الشفافية والمحاسبة: الحلقة الحاسمة في نجاح الميزانية
إن أحد التحديات الأساسية التي يطرحها مشروع قانون المالية لا يتعلق فقط بتعبئة الموارد، بل بكيفية استعمالها ومراقبة نتائجها.
فمن حق المواطنين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المنتخبة معرفة التكلفة الحقيقية للإعفاءات الجبائية، ومستوى تنفيذ الاستثمارات، ومدى احترام آجال المشاريع، والعائد الاقتصادي والاجتماعي للنفقات العمومية.
كما أن تعزيز الشفافية يقتضي نشر معطيات دقيقة حول تنفيذ الميزانية، وتقييم السياسات العمومية، وتوضيح أسباب التأخر أو التعثر في إنجاز بعض البرامج.
وبدون هذه الآليات، قد يتحول النقاش حول قانون المالية إلى مجرد مواجهة حول الأرقام، بدل أن يكون نقاشاً حول فعالية السياسات العمومية ونتائجها.
* بين الطموح الاقتصادي والانتظارات الاجتماعية
يكشف المشروع قانون المالية لسنة 2027 عن معادلة معقدة تواجه السياسة الاقتصادية المغربية.
فمن جهة، تحتاج الدولة إلى موارد مالية مهمة لتمويل الاستثمار، وتطوير البنيات التحتية، وتحسين الخدمات العمومية، والوفاء بالتزاماتها المالية.
ومن جهة أخرى، تفرض متطلبات العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية وتنافسية المقاولات ضرورة توخي الحذر في توزيع الأعباء الجبائية وتحديد أولويات الإنفاق.
ولا يكمن التحدي في الاختيار بين الاستثمار والتوازنات المالية، أو بين تشجيع التظاهرات الدولية وتمويل القطاعات الاجتماعية، بل في بناء سياسة مالية تحقق التوازن بين هذه الأهداف، وتضمن أن تكون المنافع الاقتصادية موزعة بصورة عادلة.
فالميزانية ليست مجرد أرقام بل اختيارات مجتمعية
إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يطرح أسئلة تتجاوز الحسابات المحاسبية والتوازنات التقنية، لتلامس طبيعة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
فبين ارتفاع الحاجيات التمويلية، واستمرار الاعتماد على المداخيل الجبائية، ومنح امتيازات ضريبية خاصة، والحفاظ على مستوى مهم من الاستثمار العمومي، تبرز الحاجة إلى نقاش عمومي جاد حول مردودية هذه الخيارات وانعكاساتها على المجتمع.
ولا يمكن الحكم على نجاح الميزانية بمجرد تعبئة الموارد أو الإعلان عن المشاريع، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين، وخلق فرص الشغل، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالميزانية الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تنفق أكثر، بل تلك التي تنفق بعدالة وفعالية وشفافية، وتحقق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ويبقى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يوجه النقاش العمومي والبرلماني حول مشروع قانون المالية لسنة 2027 هو:
هل نحن أمام ميزانية تعزز المؤشرات المالية للدولة فحسب، أم أمام مشروع مالي قادر على تحويل النمو الاقتصادي والاستثمار العمومي إلى عدالة اجتماعية وتنمية متوازنة يستفيد منها جميع المغاربة؟
* صحفي محلل سياسي و باحث بجامعة إشبيلية في الاقتصاد الجهوي.