تكشف وثائق صادرة عن مجلس الأمن الدولي ومعطيات رسمية لوزارة الداخلية الإسبانية وبلاغات الأجهزة الأمنية المغربية عن تطور في طبيعة التهديد الإرهابي المرتبط بمنطقة الساحل الإفريقي، بعدما أصبحت بعض الشبكات المتطرفة تعتمد على التمويل والتجنيد الرقمي والتوجيه عن بعد، بدل الاقتصار على انتقال المقاتلين إلى مناطق النزاع.
وتضع هذه المعطيات المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، في صلب منظومة أمنية تتولى رصد التهديدات العابرة للحدود وإحباط المخططات الإرهابية، بالتنسيق مع الأجهزة المختصة داخل المغرب وشركائه الأوروبيين.
■ 31 عملية مشتركة و150 موقوفا.. حصيلة تكشف مستوى التنسيق الأمني
وفق حصيلة أعلنتها وزارة الداخلية الإسبانية في 25 مارس 2026، نفذت الشرطة الوطنية الإسبانية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني 31 عملية مشتركة منذ سنة 2014، أسفرت عن توقيف 150 شخصا في قضايا مرتبطة بالإرهاب، بينهم 83 بإسبانيا و67 بالمغرب.
وتعود أولى هذه العمليات إلى مارس 2014، تحت اسم «أزتيكا»، وشملت توقيف ثمانية أشخاص في إسبانيا والمغرب ولوكسمبورغ، ضمن تحقيقات استهدفت شبكة لاستقطاب مقاتلين وإرسالهم إلى مناطق النزاع.
وتبرز هذه الحصيلة انتقال التعاون بين الرباط ومدريد إلى مستوى التدخلات المتزامنة، اعتمادا على تبادل المعلومات وتحليل الارتباطات بين المشتبه فيهم الموجودين في دول مختلفة.
■ من طنجة إلى مايوركا.. تفكيك شبكة ذات امتدادات عابرة للحدود
في 25 مارس 2026، نفذت الأجهزة المغربية والإسبانية عملية «سيولا»، التي انتهت، بحسب البلاغ الإسباني، بتوقيف شخصين بالمغرب وثالث بمدينة بالما في جزيرة مايوركا.
وأفادت المعطيات الأمنية المتعلقة بالقضية بأن المشتبه فيهما بالمغرب ارتبطا بأنشطة دعم وتمويل لفائدة عناصر موالية لتنظيم داعش في الساحل والصومال، فيما اشتبهت السلطات الإسبانية في تورط الموقوف بمايوركا في أنشطة التطرف والتحريض والتخطيط لعمل إرهابي.
غير أن التقرير الثامن والثلاثين لفريق مراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن، الصادر في 10 غشت 2026 تحت المرجع S/2026/651، تحدث عن ثلاثة موقوفين بطنجة ورابع بمايوركا، وهو اختلاف في الحصيلة المعلنة بين المصدرين لم تتضح أسبابه في الوثائق المنشورة.
وتكشف القضية عن إشكالية أمنية تتمثل في إمكانية توزيع وظائف الشبكة بين التمويل والدعم اللوجيستي والتحريض والتخطيط، عبر أكثر من بلد.
■ من المدن إلى القرى.. تحذير أممي بشأن جغرافية الاستقطاب
في الفقرة 52 من التقرير الأممي نفسه، أشار فريق الخبراء إلى استمرار الروابط بين شبكات مرتبطة بداعش داخل المغرب وعناصر موجودة بالساحل الإفريقي، كما أورد تفكيك خلية من ستة أفراد خلال أبريل 2026، مع تسجيل مؤشرات على امتداد التجنيد إلى المجالات القروية.
وتكتسي هذه الإشارة أهمية أمنية، لأنها توسع نطاق التهديد المحتمل إلى خارج المراكز الحضرية التي اعتادت الأجهزة المختصة مراقبة أنشطة الاستقطاب داخلها.
■ عشرة مشتبه فيهم وسبع مدن.. عندما تصدر التعليمات من الساحل لتنفيذ الهجمات داخل المغرب
وفي 6 يوليوز 2026، أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية إحباط مخططات إرهابية عقب عمليات متزامنة شملت أكادير وتارودانت والدار البيضاء والحاجب وتطوان والفقيه بن صالح وآسفي.
وأسفرت التدخلات عن توقيف عشرة مشتبه فيهم، من بينهم قاصر ومعتقل سابق في قضايا الإرهاب، فضلا عن حجز معدات وأسلحة بيضاء ودعامات رقمية ومواد يشتبه في إعدادها لتنفيذ اعتداءات.
وأفادت السلطات المغربية بأن المشتبه فيهم تلقوا اتصالات وتوجيهات من قياديين بفرع داعش في الساحل، تقضي بالبقاء داخل المملكة لتنفيذ مخططات إرهابية وتأجيل الالتحاق بمعاقل التنظيم في الخارج.
وتشكل هذه المعطيات مؤشرا على تحول في أساليب الاستقطاب والتوجيه، يقوم على استهداف الأمن الداخلي بواسطة عناصر محلية، مع استمرار الاتصال بجهات خارجية.
■ عملية طنجة الأخيرة.. الخبرة العلمية تكشف تقدما في التحضير لمخطط إرهابي
وتعزز نتائج الخبرة العلمية المعلن عنها يوم 16 أكتوبر 2026 أهمية العمل الاستباقي للأجهزة الأمنية المغربية، بعدما كشف بلاغ لقطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني عن معطيات تقنية جديدة بشأن شخص يبلغ من العمر 22 سنة، موال لتنظيم داعش، جرى توقيفه بمدينة طنجة يوم 9 أكتوبر بناء على معلومات استخباراتية دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وأظهرت الخبرات الفيزيائية والكيميائية وتحاليل الآثار الرقمية، التي أنجزها المختبر الوطني للشرطة العلمية بالدار البيضاء، أن المحجوزات تضمنت مواد تدخل في صناعة المتفجرات وتجهيزات إلكترونية معدلة، من بينها هاتف محمول خضع لتغييرات تقنية تؤهله للاستخدام ضمن منظومة لتفعيل عبوة ناسفة.
وأكد البلاغ أن نتائج الفحوص كشفت وصول المشتبه فيه إلى مرحلة متقدمة من الإعداد والتحضير لصناعة مواد متفجرة، مع رصد آثار تقنية تشير إلى إجراء تجارب تفجيرية، وهي نتائج تدعم البحث القضائي الذي يباشره المكتب المركزي للأبحاث القضائية تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وتبرز هذه القضية وجها آخر للقدرة الأمنية المغربية، يتمثل في التكامل بين المعلومات الاستخباراتية والتحليل العلمي للأدلة والبحث القضائي. فالعمل الاستباقي لا ينتهي عند توقيف المشتبه فيه، بل يمتد إلى فحص المحجوزات واستثمار نتائج الخبرات لتحديد طبيعة المشروع الإجرامي ومدى تقدمه وارتباطاته المحتملة.
ومع أن المعطيات المنشورة لا تثبت ارتباط هذه القضية تحديدا بالشبكات المرتبطة بالساحل، فإنها تقدم نموذجا عمليا لتطور أساليب التهديد الإرهابي، وأهمية الجمع بين الاستعلامات الدقيقة والقدرات التقنية المتخصصة في مواجهته.
■ الخلفية المؤسساتية.. كيف تعمل المنظومة الأمنية المغربية؟
يرتكز النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب على التكامل بين العمل الاستعلاماتي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والبحث القضائي الذي يباشره المكتب المركزي للأبحاث القضائية تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
ومنذ انطلاق عمل المكتب المركزي سنة 2015، أصبح هذا الجهاز أحد المكونات المؤسساتية المتخصصة في التحقيق في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات المرتبطة بأمن الدولة.
وتبرز العمليات المعلنة وظيفة المعلومات الاستخباراتية في تحديد المشتبه فيهم ورصد ارتباطاتهم، قبل الانتقال إلى إجراءات التوقيف والتفتيش والبحث القضائي وفق المقتضيات القانونية.
■ الساحل الإفريقي.. مصدر تهديد تتجاوز انعكاساته حدوده الجغرافية
يقدر التقرير الأممي عدد عناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بما بين 7000 و8000 عنصر، مقابل نحو 2000 عنصر لتنظيم داعش في الصحراء الكبرى.
كما يؤكد مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2026 أن منطقة الساحل استحوذت على أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميا خلال سنة 2025، رغم تراجع الحصيلة الإجمالية مقارنة بالسنة السابقة.
وفي السياق ذاته، تناولت مجلة Foreign Policy الأمريكية، في تحليل نشرته يوم 31 مارس 2026، الطابع العابر للحدود لتهديد داعش في الساحل، وأبرزت أهمية التعاون المغربي الإسباني في مواجهة الشبكات التي تربط شمال إفريقيا بالمجال الأوروبي.
■ المغرب في المعادلة الأمنية الأوروبية
تشير المعطيات الرسمية المتاحة إلى أن القيمة العملياتية للتعاون الاستخباراتي المغربي لا تقتصر على المراقبة الترابية، وإنما تشمل المساهمة في تتبع الشبكات ذات الارتباطات الخارجية، وربط المعطيات الأمنية التي تتوزع بين أكثر من دولة.
ولا تكشف البلاغات المنشورة عن طبيعة جميع المعلومات المتبادلة أو حجم مساهمة كل طرف في العمليات، لأن التفاصيل المرتبطة بالعمل الاستعلاماتي والاستخباراتي تظل محكومة بضوابط السرية المهنية ومتطلبات حماية مصادر المعلومات وأساليب التدخل الاستباقي.
وتؤكد القراءة المجمعة لهذه الوثائق أن مواجهة الإرهاب المرتبط بالساحل لم تعد قضية حدود جغرافية فقط، بل أصبحت معركة استباقية حول المعلومات والتمويل والتجنيد والاتصالات والامتدادات الدولية.
وفي قلب هذه المعادلة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه شريكا أمنيا في مكافحة الإرهاب، من خلال منظومة تجمع بين الاستعلامات والتدخل الميداني والبحث القضائي والتعاون الدولي، في مواجهة تهديدات متحولة تتطلب يقظة مؤسساتية مستمرة.( عن صفحة نجيب الأضادادي على الفيس بوك)