أكد المسؤولون القضائيون المغاربة، الأربعاء بالرباط، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل رافعة لتحقيق عدالة أسرع وأكثر قابلية للولوج والتوقع، شريطة أن يظل استعماله مؤطراً بقواعد قانونية وأخلاقية تحمي الحقوق والحريات، وتحفظ استقلالية القضاء والبعد الإنساني للعملية القضائية.
وجاء ذلك خلال افتتاح المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول موضوع “العدالة والذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر”، الذي تنظمه محكمة النقض بالمغرب، بشراكة مع جمعية المحاكم العليا للدول التي تتقاسم استعمال اللغة الفرنسية، وتتواصل أشغاله إلى غاية 15 أكتوبر الجاري.
عدالة مسؤولة لا آلة مسيطرة
في كلمته بالجلسة الافتتاحية، أكد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، أن الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة ينبغي أن يكون، قبل كل شيء، “ذكاء مسؤولا، وقائما على احترام دولة القانون، بما يضمن الحقوق والحريات، والشفافية، وعدم التمييز، وحماية المعطيات الشخصية، والقدرة على فهم النتائج التي تفرزها الأنظمة الخوارزمية”.
وأوضح بلاوي أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في ترك الآلة تسود، بل في تمكين التكنولوجيا من المساهمة في جعل العدالة أسرع وأكثر نجاعة ودقة، مع الحفاظ على إنسانيتها واستقلاليتها وضماناتها. وأضاف أن الاستخدام الأخلاقي لهذه التكنولوجيا داخل المؤسسات القضائية يستلزم ضوابط واضحة تتعلق بسرية المعلومات، وحماية المعطيات الشخصية، وأمن نظم المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وضبط الوصول إلى البيانات، ومنع إدخال البيانات السرية في أنظمة غير معتمدة أو غير آمنة.
وشدد رئيس النيابة العامة على أن السر المهني ليس التزاماً شكلياً، بل أحد الركائز الأساسية للثقة في العدالة، خاصة بالنسبة للقضاة والنواب العامين. كما أكد أن مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعدالة لا ينبغي أن يقوم على خيار ثنائي بين التكنولوجيا والبشر، بل على علاقة متكاملة ومسؤولة بينهما.
وقال بلاوي إن العدالة المنشودة ليست عدالة مؤتمتة، ولا عدالة يطلق عليها “الذكاء الاصطناعي الوكيل” القادر على التصرف باستقلال واستبدال البشر بالخوارزميات، بل عدالة تستفيد من إمكانات التكنولوجيا لتحسين أدائها، مع إبقاء العنصر البشري في صلب العملية القضائية.
الفرص وتأطير المخاطر
من جهته، أكد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة لا غنى عنها في مختلف مجالات المجتمع، وأنه قادر على الإسهام في تحقيق عدالة أسرع وأكثر قابلية للولوج والتوقع.
وأوضح عبد النباوي أن هذه التكنولوجيا تفتح آفاقاً حقيقية عبر تسريع تحليل الملفات، وتيسير البحث القانوني، والربط بين النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، وتحسين الولوج إلى المعلومة، وتحديد الحلول المعتمدة في قضايا مماثلة. لكنه أكد، في المقابل، أن هذه الأداة تفرض مسؤولية تأطير استعمالها، واستباق انحرافاتها المحتملة، وإرساء حدود لا ينبغي تجاوزها.
ودعا الرئيس الأول لمحكمة النقض إلى تدخل المشرع لاعتماد قوانين ونصوص تنظيمية، وتأطير استخدام الذكاء الاصطناعي بقواعد أخلاقية، مع ضرورة الاعتماد المسبق لمبادئ توجيهية أخلاقية أو مواثيق ومدونات للسلوك المهني، يمكن تعزيزها، عند الاقتضاء، بقواعد قانونية ملائمة.
واعتبر عبد النباوي أن الذكاء الاصطناعي ليس موضة عابرة، بل تحولاً عميقاً لا يمكن لأي بلد أو قطاع أن يظل بمنأى عنه على المدى الطويل، وإلا خاطر بالبقاء على هامش تطور العصر، مشيراً إلى أن المغرب واعٍ تمام الوعي بهذا التحدي.
رؤية ملكية ورهان مؤسساتي
واستحضر عبد النباوي الرؤية الملكية في مجال التحول الرقمي، مذكّراً بالرسالة الملكية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى مناظرة الاستراتيجية الوطنية لإدماج المغرب في مجتمع الإعلام والمعرفة المنعقدة سنة 2001، والتي أعرب فيها عن طموح تمكين المملكة من تبوؤ موقعها اللائق في عالم الثورة الرقمية.
كما أشار إلى أن هذه الرؤية تجد صدى في الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، والذي أكد فيه جلالة الملك ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجال الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، اعتبر عبد النباوي أن العدالة لا يمكنها أن تظل مجرد متفرج على هذه الثورة، بل يتعين أن تكون فاعلاً فيها، وأن تسهم، إن أمكن، في إضاءة طريقها. وأكد على ضرورة نقل البعد الإنساني للعدالة إلى قضاة اليوم والغد، من خلال تمكينهم من الأدوات الرقمية واستخدامها باعتدال ومسؤولية، دون التفريط في أسس فعل القضاء المتمثلة في “الشك الذي يسبق القرار، والإنصات الذي يمهد له، والتبصر الذي يصوغه، والمسؤولية التي تواكبه”.
ثلاثة مستويات للتحول
أما بلاوي، فقد حدد ثلاثة مستويات متكاملة لبناء نموذج قضائي قادر على مواكبة الثورة التكنولوجية دون المساس بمبادئ دولة القانون. ويهم المستوى الأول إعداد إطار قانوني وأخلاقي ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في العدالة، مع ضمان احترام الحقوق والحريات، واستقلالية القضاء، وحماية المعطيات والسرية المهنية.
ويتعلق المستوى الثاني بالاستثمار في العنصر البشري، عبر تكوين القضاة والأطر القضائية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات، بما يمكّن الفاعل القضائي من فهم هذه التكنولوجيات ومزاياها ومخاطرها. أما المستوى الثالث، فيهم تطوير حلول تقنية آمنة وموثوقة، تخضع للتقييم المستمر والمراقبة البشرية، وتأخذ في الاعتبار سرية وحساسية البيانات القضائية.
وشدد بلاوي على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات بين المحاكم العليا، بالنظر إلى أن القضايا التي يطرحها الذكاء الاصطناعي تتجاوز الحدود الوطنية، وأن التحديات الأخلاقية والقانونية المرتبطة به تستدعي تنسيقاً مكثفاً وتبادلاً للتجارب والممارسات الفضلى.
ملتقى دولي بالرباط
ويستقطب هذا المؤتمر أكثر من 40 مشاركاً يمثلون المحاكم العليا وخبراء قانونيين من 24 دولة من إفريقيا وأوروبا وكندا والشرق الأوسط، بهدف تسليط الضوء على إمكانات استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنظومة القضائية، واستعراض التحديات والأطر القانونية والتنظيمية الواجب مراعاتها لمواكبة التطور الرقمي المتسارع.
وتميزت الجلسة الافتتاحية بمشاركة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، إلى جانب ممثلين عن المنظمة الدولية للفرنكوفونية.