محمد الكيحل
– الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة يرسم ملامح المنعطف التاريخي والاستراتيجي الجديد؛ فهو يمثل إعلانا سياسيا واستراتيجيا عن طبيعة التحول الذي ينتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، وعن الشروط الضرورية للانتقال من تراكم الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي وترابي مستدام.
– وهو بمثابة خارطة طريق ورؤية استراتيجية بعيدة المدى تضع المملكة في قلب التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية قيد التشكل وتموقعها في خريطة التحالفات الدولية كقوة اقتصادية وناعمة صاعدة ومؤثرة في محبطها الجهوي والقاري؛ فالخطاب يكشف عن رؤية ملكية تستشرف موقع المغرب في عالم يعاد تشكيل توازناته الاقتصادية والجيوسياسية، وتضع في الوقت نفسه النخب السياسية والمؤسسات المنتخبة والإدارة الترابية والقطاع الخاص أمام مسؤوليات كبيرة.
– فاللغة الخلفية المؤسسية للخطاب تشكل رؤية جديدة للأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، وتتوزع موضوعاته بين الهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والجهوية والهجرة والعلاقات الدولية، مع رؤية أوسع لطبيعة التحول الذي ينتظر الدولة المغربية ولموقع المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في إنجازه. فبنية الخطاب على الجمع بين الاستمرارية وبين إعادة ترتيب الأولويات، ووضع المكتسبات التي تحققت أمام الاختبار وتحت المجهر.
– يمكن قراءة الحطاب الملكي السامي من زاويتين:
– من منظور حقل امارة المؤمنين: فالخطاب الملكي باعتباره أمير المؤمنين وحامي الملة والدين وحوزة الوطن، تضمن وصايا مولية موجهة إلى رعياه الأوفياء بداخل المغرب تتضمن نصائح وتوجيهات ذات بعد ديني واخلاقي وقيمي وسياسي وتعاقدي وتدبيري، في إطار الالتحام الدائم بين الملكية والشعب والوفاء للوطن والانتصار للمصلحة العليا والانخراط في الرؤية الملكية لمغرب قوي بمؤسساته ومعتز بهويته وسيادته، لمواجهة التحديات المحدقة بالمملكة؛ في سياق دولي وإقليمي بالتحولات الدولية والإقليمية المتسارعة وبالنزاعات والأزمات والصراع حول الموارد والثروات الحيوية ومواقع النفوذ وبناء السرديات الجديدة وتفكك الهويات الوطنية والمحلية؛
– من أكثر المقاطع دلالة في الخطاب استحضار الملك لعبارته التي قالها سنة 2014 عن اعتزازه بمغربيته، ثم الانتقال من الحديث عن عراقة الدولة وخصوصية الهوية إلى تعريف جديد للانتماء الوطني بوصفه مسؤولية وواجب.، تؤدي الإحالة إلى الاعتزاز بالهوية وظيفة سياسية ورمزية أكثر تركيبا من مجرد استدعاء للذاكرة الجماعية أو تأكيد لشرعية تاريخية متجذرة؛ فالخطاب ينطلق من عناصر الاستمرارية التاريخية للمملكة والمكاسب الدبلوماسية والتنموية، ويجعل منها أساسا للمطالبة بالفعل والمسؤولية. وهنا يظهر انتقال مهم من مفهوم الوطنية الشعورية إلى مفهوم الوطنية العملية، وبعد ذلك ثم الانتقال من الحديث عن عراقة الدولة وخصوصية الهوية إلى تعريف جديد للانتماء الوطني بوصفه مسؤولية وواجبا.
– تؤدي الإحالة إلى الاعتزاز بالهوية وظيفة سياسية ورمزية أكثر تركيبا من مجرد استدعاء للذاكرة الجماعية أو تأكيد لشرعية تاريخية متجذرة؛ فالخطاب ينطلق من عناصر الاستمرارية التاريخية للمملكة والمكاسب الدبلوماسية والتنموية، ويجعل منها أساسا للمطالبة بالفعل والمسؤولية وهنا يظهر انتقال مهم من مفهوم الوطنية الشعورية إلى مفهوم الوطنية العملية؛ فالرهان الحقيقي في الخطاب الملكي يكمن في تعزيز الشعور الوطني وبترجمة الانتماء إلى علاقة ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
– من زاوية الحقل الدستوري والسياسي: يرسم العالم الكبرى للتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والترابية والخيارات الاستراتيجية على المستوى الوطني؛ الخطاب جاء بعد مسار من المحطات السياسية والتحولات السياسية وترسيخ أسس المسلسل الديمقراطي المغربي المتميز بين الاصالة والمحاصرة في تجربة مغربية فريدة لأقدم ملكية في العالم أسسها الشرعية الدينية والتاريخية والديمقراطية والمشاركة الشعبية وشرعة الإنجاز؛
– احتل الرهان الترابي حيزا لافتا في الخطاب وأضحى يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم المرحلة المقبلة؛ خطاب تنموي بامتياز يتضح من خلال التركيز على الرهانات الترابية وعودة الحديث عن الامن المائي والغذائي باعتبارها عناصر اساسية لضمان الاستقرار السياسي والتوازن الاجتماعي؛ الخطاب سيخلق دينامية سياسية واقتصادية واجتماعية وطفرة تنموية؛
– خطاب يدعو إلى تجاوز تشخيص الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والوقوف على بعض الاختلالات ووضع الحلول والبدائل لكل الإشكاليات التنموية المطروحة وتجاز التفاوتات المجالية؛ مع الإلحاح على ضرورة التسريع في نقل السلطة والقرار والموارد من المركز إلى المؤسسات الجهوية والجماعات الترابية وتمكينها من الموارد الكافية لإنجاز تنمية محلية وجهوية يكون لها وقع وأثر ملموس على المواطنين في كافة جهات المملكة.
– أي تغير البوصلة والتوجه في مسار التنمية؛ بالانطلاق من القاعدة وليس الفوق من المركز كما كان سابقا وهي مقاربة حققت طفرة اقتصادية على مستوى السياسة الماكرواقتصادية وجلب الاستثمار وتحريك العجلة الاقتصادية والصناعية للمملكة لكن أثرها على المستوى المعيشي للمواطن ظل ضعيفا ومحدودا في ظل التفاوتات الترابية من جني مكاسب ومنافع التنمية وفي ظل الارتفاع الصاروخي للأسعار والمواد الأساسية وخاصة الموارد الطاقية التي لا تتوقف أثمنتها من الارتفاع المستمر؛
الخطاب يؤسس لمرحلة جديدة أساسها المسؤولية التنموية المتقدمة، يصبح فيها معيار النجاح هو القدرة على التنفيذ و الأثر وتحقيق الإلتقائية بين القرار المركزي والمبادرة الترابية وبين النمو الإقتصادي والإنصاف الاجتماعي.
– خطاب يؤسس لملكية دستورية ديمقراطية مبنية الشرعية المبنية على شرعية الإنجاز، والانطلاق من المجال، في اطار دينامية سياسية وتحولات اجتماعية وديمقراطية وترسيخ المسار الديمقراطي لتحقيق العدالة الاجتماعية والاتصاف الترابي.
– ولا تكتمل القراءة العميقة لأي خطاب سياسي بالاكتفاء بما يعلنه، وإنما تقتضي أيضا مساءلة ما يتركه مفتوحا للتفسير أو التنفيذ. ولا يعني الحديث عن المسكوت عنه أن النص يتعمد إخفاء قضايا معينة، وإنما أن طبيعته التوجيهية لا تسمح بتفصيل جميع الآليات والسياسات.
*استاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الافريقيةورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات.
.