يحمل الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة أبعاداً سياسية واقتصادية ودبلوماسية تتجاوز عرض الأولويات الحكومية، إذ يقدم تصوراً للمرحلة المقبلة يقوم على تسريع الإصلاحات الداخلية، وتعزيز فعالية المؤسسات، وإعادة تنظيم الشراكات الخارجية على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
ويمكن قراءة الخطاب من خلال خمسة محاور رئيسية، مع التركيز على دلالاته بالنسبة إلى العلاقات المغربية الإسبانية.
أولاً: من شرعية الإنجازات إلى اختبار النتائج، حيث يؤكد الخطاب الملكي أن المغرب يطمح إلى ترسيخ موقعه كقوةً اقتصادية صاعدة وموثوقة، لكنه يربط هذا الطموح بضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
سياسياً، يعني ذلك أن المرحلة المقبلة لا يُراد لها أن تقتصر على مواصلة المشاريع الكبرى والبنيات التحتية، بل أن تنتقل إلى قياس أثرها المباشر في حياة المواطنين، خصوصاً في مجالات التشغيل والتعليم والخدمات العمومية وتقليص الفوارق بين المناطق.
ومن هنا تكتسب الإشارة إلى الشباب أهمية خاصة؛ فإدماجهم الاقتصادي والاجتماعي ليس مجرد أولوية تنموية، بل يرتبط أيضاً بتعزيز الثقة في المؤسسات وفي قدرة السياسات العمومية على توفير فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي.
الدلالة السياسية: ينتقل مركز الثقل من إبراز ما تحقق من إنجازات إلى المطالبة بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ثانياً: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. خصص جلالة الملك نصره الله حيزاً مهماً من الخطاب لاختلالات تنزيل الجهوية المتقدمة، مؤكداً ضرورة نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم، ووضع حد للتأخير والتماطل.
هذه الإشارة ذات دلالة مؤسساتية واضحة؛ فالتنمية الترابية لا يمكن أن تتحقق بمجرد وضع الخطط والبرامج، بل تتطلب تمكين المؤسسات المحلية من سلطة القرار والموارد اللازمة لتنفيذ المشاريع.
كما أن التشديد على وضوح الاختصاصات والتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات يعكس الحاجة إلى تجاوز التداخل الإداري الذي قد يعرقل المسؤولية والمحاسبة.
وتحمل هذه الرسالة أيضاً بعداً سياسياً هاما، لأنها تضع الحكومة والبرلمان والإدارة أمام مسؤولية تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بالالتزامات المعلنة.
ثالثاً: الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا بشروط أوضح.
هذا هو المحور الأكثر حساسية في الخطاب الملكي ، لأنه يجمع بين الاعتراف بالتطور الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية، وتوجيه رسالة واضحة بشأن مستقبل التعاون في ملف الهجرة.
فجلالة الملك لم يصف الشراكة بأنها وصلت إلى طريق مسدود، بل أكد أنها حققت تقدماً في مجالات متعددة، بما فيها مكافحة الهجرة غير النظامية. لكنه اعتبر جلالته أن نموذج التعاون الحالي لم يعد كافياً لمواجهة الأزمات المتكررة.
سياسياً، يمكن استخلاص ثلاث رسائل أساسية:
* الرسالة الأولى: ضرورة تحديث قواعد التعاون. لم يعد التنسيق الأمني وحده كافياً، وفق منطق الخطاب الملكي، ما دامت هناك خلافات قانونية وقضائية تؤثر في معالجة بعض ملفات الهجرة.
* الرسالة الثانية: رفض تسييس الشراكة. تأكيد أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي يوجه رسالة إلى الأوساط السياسية والإعلامية التي تستخدم ملف الهجرة في السجال الداخلي، من دون أن يعني ذلك توجيه انتقاد إلى إسبانيا كدولة أو إلى المجتمع الإسباني عموماً.
* الرسالة الثالثة: الانتقال من التدبير الظرفي إلى الرؤية الاستراتيجية. الإعلان عن وثيقة جديدة للتعاون يشير إلى رغبة المغرب في توسيع النقاش من معالجة الأزمات الحدودية إلى التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وتزداد أهمية هذه الرسائل في سياق حساس للعلاقات الثنائية، إذ تأتي الإشارة إلى التعاون في الهجرة في وقت شهدت فيه العلاقات نقاشاً سياسياً بشأن إدارة الحدود في سبتة ومليلية.
جلالة الملك يؤكد أن استمرار الشراكة يتطلب مراجعة آلياتها، واحترام الالتزامات المتبادلة، وعدم تحويل الملفات المشتركة إلى أدوات ضغط سياسي.
فمضمون الخطاب الملكي يتجاوز العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية. فالإشارة إلى الشراكة، ومكافحة الهجرة، والاستقرار الإقليمي، والتنافسية الاقتصادية، تضع التعاون مع مدريد ضمن رؤية أوسع لعلاقات المغرب بشركائه.
وتكتسب إسبانيا أهمية خاصة بحكم الجوار الجغرافي، والروابط الاقتصادية، والتداخل الإنساني، ودورها في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الوثيقة الاستراتيجية المرتقبة باعتبارها محاولة لطرح إطار أكثر شمولاً للتعاون، لا يقتصر على مراقبة الحدود أو الحد من الهجرة غير النظامية، بل يشمل أيضاً الاستثمار والتجارة وخلق فرص العمل والتنمية في المجالات المرتبطة بحركة الأشخاص.
رابعا: السيادة الوطنية باعتبارها قاعدة للشراكات الدولية
تتجاوز عبارة جلالة الملك بشأن رفض الضغط والتهديد والابتزاز ملف الهجرة في دلالتها السياسية؛ فهي تعكس تصوراً للعلاقات الخارجية يقوم على أن الشراكات لا تعني التنازل عن حرية القرار الوطني.
وهنا يربط الخطاب بين مكانة المغرب الدولية وضرورة أن يتعامل الشركاء معه على أساس الوفاء بالالتزامات المتبادلة. فالمغرب، كما يؤكد الخطاب الملكي، يريد أن يكون شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، لكنه ينتظر المعاملة نفسها من شركائه.
وفي الحالة الإسبانية، تعني هذه الرسالة أن الحفاظ على العلاقات الجيدة يقتضي إدارة الخلافات عبر الحوار والتنسيق المؤسسي، بعيداً عن التصعيد الإعلامي أو توظيف القضايا الحساسة في المنافسة السياسية الداخلية.
ولا يعني ذلك أن الخلافات ستختفي، بل إن الخطاب يدعو، في جوهره، إلى وضعها ضمن إطار أكثر وضوحاً واستقراراً.
خامسا: ما الذي ينتظره الخطاب الملكي من الحكومة والبرلمان؟
على المستوى الداخلي، يربط الخطاب بين الطموح الاستراتيجي والمسؤولية السياسية. فدعوة البرلمانيين إلى الوفاء بالتزامهم تجاه المواطنين تضع العمل التشريعي والرقابي أمام اختبار النتائج.
ويتعلق الأمر خصوصاً بثلاثة تحديات:
* تحويل المشاريع الكبرى إلى فرص عمل وتحسين ملموس لمستوى المعيشة.
* تسريع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري بما يضمن توزيعاً أكثر فعالية للصلاحيات والموارد.
* تطوير سياسات تستجيب لانتظارات الشباب وتحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وبذلك، لا ينحصر نجاح المرحلة المقبلة في حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، بل يرتبط أيضاً بقدرة المؤسسات على التنفيذ وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
في النهاية يمكن تلخيص الرسالة المركزية للخطاب الملكي في معادلة تجمع بين دولة أكثر فعالية في الداخل، وشراكات أكثر توازناً في الخارج.
داخلياً، يدعو الملك إلى تجاوز بطء الإدارة ومحدودية التنسيق، وتسريع التنمية الترابية، وإعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية وفرص الشباب.
وخارجياً، يؤكد أن مكانة المغرب كشريك موثوق ينبغي أن تقترن باحترام سيادته ومصالحه والتزاماته المتبادلة مع شركائه.
أما بالنسبة إلى إسبانيا، فالخطاب يحمل رسالة مزدوجة: الاعتراف بالتقدم الذي حققته العلاقات الثنائية، مع التأكيد على أن نموذج التعاون في مجال الهجرة يحتاج إلى مراجعة وتحديث.
والسؤال الأساسي الذي تطرحه المرحلة المقبلة هو: هل ستتمكن الرباط ومدريد من تحويل هذا التوجه السياسي إلى آليات عملية للتعاون، بحيث تصبح الهجرة ملفاً يُدار ضمن شراكة أوسع، بدلاً من أن تتحول إلى مصدر متكرر للتوتر بين البلدين؟
هذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد مدى قدرة الطرفين على الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية وتطويرها، مع إدارة الخلافات بروح المسؤولية والاحترام المتبادل.
سي لحبيب شباط. صحفي محلل سياسي. خبير في الشأن الاسباني