الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية: رؤية تنموية وترابية ومقاربة جديدة للهجرة مع أوروبا

جمع الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، بين رؤية لتنمية اقتصادية شاملة، وتعزيز للعمل الترابي والجهوية المتقدمة، وإعادة تعريف للتعاون مع أوروبا في ملف الهجرة على أساس الندية والمسؤولية المشتركة. وقد لاقت هذه التوجيهات ترحيبا وتحليلا من خبراء وسياسيين في باريس وواشنطن وبروكسل ومونتريال.

الهجرة: من تلقي المقترحات إلى القوة الاقتراحية

اعتبر الخبير الجيوسياسي الفرنسي جيروم بيسنار أن الخطاب الملكي يحمل “رؤية مغربية جديدة” للتعاون في مجال الهجرة مع الشركاء الأوروبيين، من خلال تموقع المغرب كقوة اقتراحية بدل الاكتفاء بتلقي المقترحات الأوروبية. وأوضح أن تشخيص جلالة الملك لكون النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزا يعكس “مقاربة متبصرة ومسؤولة” إزاء الأزمات المتكررة، والتوظيف السياسي والإعلامي للقضية، والتعثرات المتعلقة بترحيل القاصرين غير المصحوبين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللاجئ.

وذكر بيسنار، الأستاذ بالجامعة في باريس سيتي، أن إعلان المغرب عزمه تقديم وثيقة إلى شركائه، وخاصة الأوروبيين، تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، يشكل “قلبا للمعادلة بين الشمال والجنوب” التي كانت تجعل من الدول الأوروبية المصدر الوحيد للمقترحات. وأضاف أن المملكة لا تكتفي برصد اختلالات النظام القائم، بل تسعى إلى المساهمة في حلول ملموسة قائمة على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

من جهته، أكد الجامعي الأمريكي صامويل ميلنر أن الحيز المخصص للهجرة في الخطاب يمثل “منعطفا هاما”، لأن المغرب أصبح يعتزم تحديد إطار وأشكال التعاون مع البلدان الأوروبية بنفسه، بعيدا عن الخطاب السجالي والجدل. واعتبر أن هذه المقاربة تعزز مصداقية المغرب كشريك مسؤول وموثوق، يقدم حلوله الخاصة بدل انتظار المقترحات الأوروبية.

شراكة قائمة على الندية

شدّد الخطاب الملكي على أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مع تأكيد أن المغرب يحرص على تنفيذ التزاماته وينتظر من شركائه التعامل بالمثل.

وأشار جيروم بيسنار إلى أن هذه المقاربة تمثل تطورا مهما في العلاقات بين الشمال والجنوب، إذ ينخرط المغرب بشكل كامل في تحديد سياسات التعاون، بهدف توطيد شراكة قائمة على الندية والمعاملة بالمثل والمسؤولية المشتركة، بعيدا عن المزايدات الانتخابوية والسجالات العقيمة.

كما رأى صامويل ميلنر أن استعداد المملكة لتقديم وثيقة تعرض رؤية استراتيجية جديدة يروم تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، يعكس تحولا في طريقة إدارة هذا الملف الحساس.

التنمية والاستثمار في قلب المشروع الوطني

من جانبه، أكد النائب الفيدرالي البلجيكي يوسف حنديشي أن الخطاب الملكي “يجسد طموحا قويا من أجل مغرب صاعد وحديث ودينامي وموفر لفرص الشغل”. ووصفه بأنه “محطة بارزة لمستقبل المملكة”، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت في شتنبر الماضي.

وأبرز حنديشي أن التوجيهات الملكية المتعلقة بتعزيز الاستثمار، وتحديث البنيات التحتية، وتعبئة القطاع الخاص، تعكس إرادة جلالة الملك في بناء اقتصاد قادر على إتاحة الفرص، وتحفيز المبادرة الخاصة، وإحداث فرص شغل مستدامة. واعتبر أن الاستثمار وتحديث البنيات التحتية يشكلان رافعتين أساسيتين لدعم النمو ومواكبة الطموحات التنموية للمغرب.

كما شدد النائب البلجيكي على العناية الخاصة الممنوحة للشباب، خصوصا في مجالي التكوين والإدماج المهني، مؤكدا أن الربط بين الدينامية الاقتصادية وتكافؤ الفرص أساسي لضمان استفادة جميع المواطنين من ثمار التنمية، وبناء “مغرب صاعد ومنفتح على المستقبل”.

العمل الترابي والجهوية المتقدمة

رأى المحلل السياسي المغربي-الكندي هشام معتضد أن الخطاب الملكي يضع العمل الترابي في صلب المرحلة المقبلة، بهدف تحديد الاحتياجات وإيجاد حلول ملائمة لخصوصيات مختلف جهات المملكة. وأوضح أن جلالة الملك أكد ضرورة تعزيز الجهوية المتقدمة وضمان التنزيل الفعلي للاتمركز الإداري، بما يتيح تنفيذ برامج التنمية السوسيو-اقتصادية والاستجابة للانشغالات الحقيقية للمواطنين.

وأشار معتضد إلى أن الخطاب دعا إلى إرساء علاقات أكثر تنظيما بين الدولة والجهات، بما يمنح هذه الأخيرة الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرار والوسائل الضرورية لتنفيذ المشاريع التنموية. وقال إن “اللاتمركز الإداري يشكل آلية لتحقيق الانسجام بين الطموح الوطني ونجاعة العمل الترابي”، مشددا على أن التحدي لا يقتصر على توزيع الاختصاصات، بل يتعلق باتخاذ القرارات في المستوى القادر على تحقيق النتائج، مع وضوح المسؤوليات وتوفير الإمكانات.

الشباب رافعة للتنمية

منح الخطاب الملكي الشباب مكانة محورية، باعتبارهم رافعة أساسية للتنمية بالمغرب وفاعلا لا غنى عنه في رسم مستقبل البلاد. وأكد معتضد أن جلالة الملك دعا إلى وضع القضايا المرتبطة بالشباب في صدارة أولويات السياسات العمومية وانشغالات هيئات الحكامة.

وفي الاتجاه نفسه، ربط يوسف حنديشي بين التكوين والإدماج المهني للشباب وبين القدرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص حقيقية، معتبرا أن هذه المقاربة تشكل أساسا لبناء مجتمع أكثر عدالة وتنمية أكثر شمولا.

قراءة شاملة للخطاب

تتقاطع قراءات الخبراء في اعتبار الخطاب الملكي وثيقة توجيهية للولاية التشريعية والحكومية الجديدتين، تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: تحديث النموذج التنموي عبر الاستثمار والبنيات التحتية والقطاع الخاص؛ وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري لجعل التنمية أقرب إلى المواطن؛ وإعادة بلورة التعاون الدولي في ملف الهجرة وفق منطق الندية والمسؤولية المشتركة.

وخلص هشام معتضد إلى أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدتين يتعين أن تشكلا “منعطفا حقيقيا” بالنسبة للمغرب، الذي يطمح إلى ترسيخ مكانته كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد