يأتي الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة كوثيقة سياسية وتنموية متكاملة، لا يكتفي بتحديد أولويات البرلمان والحكومة، بل يضع إطاراً شاملاً لمرحلة انتقالية تتطلب تحويل الإنجازات إلى مسار تنموي مستدام. ويقوم الخطاب على خمسة محاور مترابطة: تعزيز الشرعية المؤسساتية، ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، إعادة تموضع الاقتصاد والقطاع الخاص، جعل الشباب محور السياسات العمومية، وتفعيل الجهوية واللامركزية، قبل أن يفتح على البعد الخارجي وخاصة ملف الهجرة والشراكة مع إسبانيا.
البرلمان بين التمثيل والمسؤولية
ينطلق الخطاب من تأكيد أن الانتداب البرلماني ليس مجرد وظيفة تمثيلية، بل «التزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط النواب بالمواطنات والمواطنين. وهذه الصياغة تحيل إلى أزمة الثقة التي قد تصاحب العمل البرلماني، وتضع أمام المجلسين معياراً عملياً لتقييم أدائهم: القدرة على ترجمة الانتظارات الاجتماعية إلى تشريعات ومبادرات ملموسة.
كما يصف الخطاب الولاية التشريعية الجديدة بأنها تأتي في «ظرفية استثنائية حافلة بالفرص، لكنها قد لا تتكرر». وهذا التوصيف يحمل دلالة مزدوجة: فهو يمنح البرلمان والحكومة فرصة للانطلاق نحو إنجاز جديد، لكنه يضغط في الوقت نفسه على ضرورة عدم إهدار هذه الفرصة في التنازع المؤسساتي أو التأجيل.
الهوية الوطنية كأساس للانتماء المسؤول
يمنح الخطاب مكانة مركزية للقيم والهوية المغربية الجامعة، عبر الدعوة إلى الاعتزاز بالهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة بتعدد مكوناتها. غير أن الهدف ليس الاحتفاء الرمزي بالماضي، بل تحويل الاعتزاز بالوطن إلى «مسؤولية» والثقة إلى «واجب وطني».
بهذا المعنى، تُستعمل الهوية كرافعة للتضامن المجتمعي وللانخراط في المشروع التنموي. فالخطاب يربط بين الفخر بالمكاسب السياسية والديبلوماسية والإنجازات التنموية، وبين ضرورة مواصلة البناء، في إشارة إلى أن الاستقرار والثبات لا ينبغي أن يتحولا إلى رضا ذاتي أو جمود.
الاقتصاد: من الاستراتيجيات إلى الإنتاج والسيادة
يمثل المحور الاقتصادي قلب الخطاب، إذ يدعو إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. وتعكس هذه التوجيهات وعياً متزايداً بأن الأزمات الدولية المتكررة، من اضطرابات سلاسل التوريد إلى تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، تجعل من الأمن الاقتصادي رهاناً سيادياً لا أقل أهمية من الأمن التقليدي.
كما يدعو الخطاب إلى إطلاق «جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى» في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. والملاحظ أن هذه القطاعات ليست مختارة بشكل عشوائي؛ فهي تمثل مجالات الترابط بين التنمية الداخلية والتنافسية الخارجية، وبين حماية الموارد الوطنية والاندماج في الاقتصاد العالمي.
ويتمثل التحول الأبرز في الدعوة إلى الارتقاء بالقطاع الخاص الوطني إلى «فاعل استراتيجي» في التحول التنموي. فلم يعد القطاع الخاص يُنظر إليه فقط كشريك في الاستثمار، بل كفاعل يفترض أن يكون أكثر مبادرة وابتكاراً، وأقدر على خلق فرص الشغل والتصدير. وهذا يفرض على الحكومة تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط المساطر، وتوفير التمويل والتأهيل اللازمين للمقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة منها.
الشباب: من الشكوى إلى الثقة والاندماج
يخصص الخطاب اهتماماً خاصاً بالشباب، بدعوة إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة. والمطلوب، وفق الخطاب، وضع تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وتكمن أهمية هذا المحور في أنه يعالج الشباب ليس كفئة تحتاج إلى مساعدات، بل كطاقة إنتاجية ينبغي تمكينها. فتعزيز ثقة الشباب في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم وفي الفرص المتاحة لهم، يُعد شرطاً لاستدامة الاستقرار ولنجاح أي مشروع تنموي واسع.
الجهوية واللامركزية: اختبار التنزيل الفعلي
يُعد محور الجهوية واللامركزية من أكثر فقرات الخطاب حدة ووضوحاً. فالملك يشدد على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو «العمل الميداني» على المستوى الترابي، عبر الوقوف على مشاكل كل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها.
ويشير الخطاب إلى أن التأخير والاختلالات في تنزيل اللامركزية واللامركزية الإدارية تنعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين. وهنا ينتقل الخطاب من التأكيد على المبدأ إلى المطالبة بالتنفيذ، إذ يعتبر أنه لا مجال لأي تأخير أو تماطل في تفعيل ميثاق اللامركزية، بما يقتضيه من نقل للسلطات والصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات.
كما يطالب بوضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، خصوصاً عبر تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، ورفع الموارد البشرية والمالية، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات. وهذه المطالب تكشف أن التحدي لم يعد في النصوص القانونية، بل في الثقافة الإدارية، وتوزيع السلطة، وقدرة الجهات على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
السياسة الخارجية: شراكة المسؤولية وحدود الضغط
على الصعيد الخارجي، يرسم الخطاب صورة للمغرب بوصفه شريكاً مسؤولاً وموثوقاً حريصاً على تنفيذ التزاماته، مع توقع التعامل ذاته من الشركاء. وهذه الصياغة تؤكد مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية، وتجعل من موثوقية المغرب رصيداً دبلوماسياً لا ينبغي استغلاله أو التهاون معه.
ويحتل ملف الهجرة موقعاً بارزاً، إذ يؤكد الخطاب اعتماد المغرب مقاربة متوازنة حققت نتائج ملموسة، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن النموذج الحالي أصبح متجاوزاً في ظل الأزمات المتكررة. وهذا الاعتراف مهم لأنه يفتح الباب أمام إصلاح جذري للسياسات العمومية المتعلقة بالهجرة، بدل التمسك بنماذج لم تعد كافية.
أما في العلاقة مع إسبانيا، فيؤكد الخطاب أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، لكنه يرفض أن تكون «محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز». ويشير إلى تحديات تتعلق بمقتضيات قانونية وقرارات قضائية تحول دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وهو ما يغذي، وفق الخطاب، أطماع شبكات الاتجار بالبشر.
ويُعلن المغرب عزمه تقديم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لاتجاه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وبذلك ينتقل الملف من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء شراكة تنموية مشتركة.
خطاب تنفيذ لا خطاب تأطير فقط
أبرز ما يميز هذا الخطاب هو انتقاله من الخطاب التوجيهي العام إلى المطالبة بالتنفيذ الملموس. فالمحاور الخمسة لا تُقرأ منفصلة: فالهوية توفر الأساس القيمي، والاقتصاد يوفر أدوات التحول، والشباب يمثلون رأس المال البشري، والجهوية هي الآلية الترابية للتنزيل، بينما تشكل السياسة الخارجية امتداداً للمشروع الوطني في المحيط الدولي.
ويبدو أن الرسالة الجوهرية الموجهة إلى الحكومة والبرلمان هي أن المرحلة المقبلة لن تُقاس بالخطط والإعلانات، بل بقدرة الدولة على تقليص الفجوة بين القرار المركزي والواقع الميداني، وبين الخطاب التنموي والفرص الفعلية المتاحة للشباب، وبين الشراكات الخارجية والنتائج الملموسة على أرض الواقع.
وبذلك، يضع الخطاب الملكي أمام المؤسسات المنتخبة والحكومة أجندة صعبة لكنها واضحة: مواصلة الإنجاز، وتحديث الاقتصاد، وتمكين الجهات، واستعادة ثقة الشباب، وتطوير شراكات خارجية قائمة على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية: من الالتزام البرلماني إلى مشروع تحديث الدولة
المقال السابق