تمرد المحامين الشباب: حين تصطدم وحدة الصف بضرورات المعيشة

تهنئة عيد العرش

يبدو أن الإضراب الذي خاضته هيئات المحامين بالمغرب لم يعد يعكس، بالدرجة نفسها، تطلعات جميع مكونات الجسم المهني. فبينما تتمسك القيادات المهنية بمواصلة التصعيد ضد مشروع قانون مهنة المحاماة، يتجه عدد من المحامين، خصوصاً الشباب، إلى استئناف العمل مباشرة بعد العطلة القضائية، مدفوعين بتدهور أوضاعهم الاقتصادية وتراكم الالتزامات المهنية والاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف تكتيكي حول توقيت الإضراب، بل ببداية توتر داخلي قد يكشف عن تباين عميق بين أولويات القيادات المهنية وأولويات جيل جديد من المحامين.

أزمة اقتصادية متفاقمة

يعيش عدد مهم من المحامين الشباب أوضاعاً مادية صعبة، خصوصاً خلال السنوات الأولى من الممارسة. فالمحامي المبتدئ يتحمل نفقات المكتب والكراء والتجهيز والتنقل والاشتراكات والضرائب، في وقت لا يضمن فيه دخلاً منتظماً أو عدداً كافياً من الملفات.

وتشير تقارير صحفية إلى أن نسبة مهمة من المحامين الجدد تغادر المهنة خلال السنوات الخمس إلى العشر الأولى بسبب صعوبة الاستقرار المالي وغياب آفاق واضحة للتطور المهني، فضلاً عن انخفاض الأتعاب في عدد من الملفات إلى مستويات لا تغطي أحياناً حتى المصاريف الأساسية للممارسة .

وفي ظل هذه الوضعية، يصبح الإضراب المفتوح عبئاً إضافياً على فئة لا تتوفر غالباً على احتياطي مالي يمكنها من تحمل توقف طويل عن العمل. فالمحامي المتمرس قد يمتلك قاعدة زبناء وموارد سابقة، بينما يعتمد المحامي الشاب على تدفق يومي أو أسبوعي محدود لتغطية نفقاته.

بين مطلب الاستقلال وضرورات البقاء

تعلن جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن معركتها ترتبط بالدفاع عن استقلال المهنة ورفض مقتضيات تعتبرها مسيئة إلى مكانة المحامي وضمانات الدفاع. وقد قررت الجمعية مواصلة الإضراب والتوقف عن تقديم الخدمات المهنية إلى إشعار آخر، مع الإبقاء على تعليق المساعدة القضائية .

غير أن المحامين الشباب لا ينظرون إلى المعركة من الزاوية نفسها فقط. فبالنسبة إليهم، لا يكفي الدفاع عن استقلال المهنة إذا لم تقترن المواقف النضالية بإجراءات عملية لتحسين شروط العيش والعمل، وتنظيم سوق المهنة، وضمان حد أدنى من الدخل، وتسريع صرف مستحقات المساعدة القضائية.

وتطرح هذه الفئة سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمحامٍ يعاني أصلاً من ضعف المداخيل أن يواصل إضراباً مفتوحاً، بينما تتراكم عليه مصاريف المكتب والالتزامات الأسرية والديون المهنية؟

أسباب التمرد الداخلي

يمكن تفسير التململ داخل هيئات المحامين بمجموعة من العوامل المتداخلة:

الفجوة بين القيادة والقاعدة: يشعر عدد من الشباب بأن القرارات الاحتجاجية تُتخذ من طرف النقباء والمجالس، بينما تتحمل القاعدة المهنية، وخصوصاً المبتدئين، الكلفة الاقتصادية المباشرة لهذه القرارات.

غياب آليات ديمقراطية كافية: عندما لا تسبق الإضرابات مشاورات موسعة واستفتاءات واضحة داخل الهيئات، يصبح الالتزام بقراراتها محل نقاش، خصوصاً إذا كانت مدة الإضراب غير محددة أو قابلة للتمديد.

اختلاف المصالح المهنية: ليست أوضاع المحامي صاحب التجربة الطويلة أو المكتب المعروف شبيهة بأوضاع المحامي الشاب الذي لا يزال يبحث عن موطئ قدم داخل سوق تنافسية.

تراكم الإحباط: لم يعد الاستياء مرتبطاً فقط بمشروع القانون، بل يشمل صعوبة الولوج إلى الملفات، ضعف الأتعاب، تعقيد المساطر، تأخر المستحقات، وارتفاع تكاليف الممارسة.

الشعور بعدم التمثيلية: قد يرى بعض الشباب أن الخطاب المهني الرسمي يركز على استقلال المهنة والرمزية المؤسساتية، دون أن يمنح الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمحامين الجدد المكانة نفسها.

الخشية من فقدان الزبناء: استمرار التوقف عن العمل قد يدفع بعض المتقاضين إلى البحث عن بدائل، كما قد يضر بالمحامين الذين لا يتوفرون على شبكة زبناء مستقرة.

المساعدة القضائية في قلب الخلاف

تعد المساعدة القضائية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى المحامين الشباب. فهي توفر لهم جزءاً من الملفات المهنية، لكنها تظل مرتبطة بإشكالات تتعلق بقيمة التعويضات، آجال صرفها، وتدبير التعيينات.

وينص الإطار القانوني المغربي على أن المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية يمكنه، في حالات معينة، أن يتقاضى أتعاباً من المستفيد وفق ضوابط محددة، كما يستفيد في حالات أخرى من مبالغ تؤديها الخزينة العامة  لكن استمرار الغموض أو التأخر في الأداء يجعل هذا النظام، بالنسبة إلى عدد من الشباب، غير كافٍ لتأمين دخل مستقر.

عيد العرش 2026

ومن هنا، فإن قرار تعليق المساعدة القضائية قد يتحول من ورقة ضغط على السلطات إلى مصدر ضغط إضافي على المحامين أنفسهم، لأنه يحرم بعضهم من ملفات ضرورية لمواصلة النشاط، كما يضعف صلتهم بفئات واسعة من المتقاضين.

لماذا قد تتفكك الجبهة الداخلية؟

إن استمرار التباعد بين القيادة والقواعد قد يؤدي إلى إضعاف وحدة الهيئات على عدة مستويات. أولاً، قد تظهر مبادرات محلية تدعو إلى استئناف العمل بشكل مستقل عن القرارات الوطنية. وثانياً، قد تتسع الفجوة بين المحامين المتمرسين والمحامين الشباب، بما يحول الخلاف المهني إلى صراع حول التمثيلية والمصالح.

كما أن استمرار الإضراب دون أفق تفاوضي واضح قد يخلق انطباعاً بأن المعركة مفتوحة بلا استراتيجية خروج. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الحماس، وظهور مواقف فردية أو جماعية رافضة لقرارات المجالس، خصوصاً إذا لم تُقدم ضمانات لتعويض المتضررين أو حماية المحامين الذين يرفضون مواصلة التوقف.

وتبقى أخطر نتيجة محتملة هي انتقال الخلاف من نقاش حول مشروع القانون إلى أزمة ثقة في مؤسسات التمثيل المهني نفسها. فحين يشعر جزء من المحامين بأن صوته لا يسمع، فإنه قد يبحث عن أطر بديلة للتعبير، أو يختار العصيان الصامت عبر العودة إلى العمل دون انتظار رفع الإضراب رسمياً.

استئناف العمل كرسالة سياسية

إذا قررت مجموعة من المحامين الشباب استئناف العمل بعد العطلة القضائية، فلن يكون ذلك بالضرورة رفضاً لمبدأ الدفاع عن استقلال المهنة. وقد يكون، في المقابل، تعبيراً عن رفض تحويل المحامي إلى “رهينة” لمعركة طويلة لا يملك شروط تحملها.

إن هذا الاستئناف المحتمل سيحمل رسالة واضحة إلى النقباء والمجالس: لا يمكن بناء وحدة مهنية مستدامة بالاعتماد على الانضباط التنظيمي وحده، بل لا بد من إقناع القاعدة بعدالة القرارات وجدواها وتوزيع كلفة الاحتجاج بصورة متوازنة.

فالاحتجاج الذي لا يراعي الفوارق الاجتماعية داخل المهنة قد يفقد تدريجياً قدرته على التعبئة، بينما الحوار الذي لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية سيبقى عاجزاً عن استعادة الثقة.

الحاجة إلى تسوية داخلية

تجاوز الأزمة يقتضي فتح نقاش مهني صريح حول مستقبل المهنة، لا يقتصر على مشروع القانون، بل يشمل أيضاً:

وضع تصور لتحسين دخل المحامين الشباب خلال السنوات الأولى من الممارسة.

مراجعة نظام المساعدة القضائية وتسريع صرف مستحقاته.

اعتماد آليات تشاور واستفتاء قبل اتخاذ قرارات الإضراب المفتوح.

تحديد مدة زمنية وأهداف دقيقة لكل خطوة احتجاجية.

إنشاء آلية تضامن مهني لفائدة المحامين المتضررين من التوقف.

إشراك المحامين الشباب في مراكز القرار داخل الهيئات والجمعية الوطنية.

الفصل بين الدفاع عن استقلال المهنة وبين الخلافات المرتبطة بالتدبير والتمثيلية.

إن تمرد المحامين الشباب ليس مجرد خروج على قرار مهني، بل هو إنذار بوجود أزمة بنيوية داخل الهيئات. وإذا لم تتم معالجة هذه الأزمة بالحوار والإنصات وإعادة توزيع التمثيلية، فقد تتحول الجبهة المهنية الموحدة إلى مواقف متفرقة، يفقد معها الإضراب جزءاً كبيراً من قوته التفاوضية ومشروعيته الداخلية.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد