تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 بتألق لافت وبأداء حاسم ضد كندا (3-0)، مناسبة أكدت للمرة الأخرى أن “أسود الأطلس” لم يعدوا مجرد مفاجأة، بل أصبحوا رمزا حقيقيا لكرة القدم الإفريقية على الساحة العالمية. تجتمع في هذا النجاح عوامل استراتيجية ومهنية تعود إلى رؤية ملكية طويلة الأمد وبنية مؤسسية متينة وبرنامج تكويني أثبت فعاليته على مستوى الأندية والمنتخبات.
رؤية ملكية ومشروع طويل الأمد
يُجمع خبراء ومديرو أندية دوليون على أن التطور المستدام لكرة القدم المغربية نابع من رؤية متبصّرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي جعلت من الرياضة مشروعا تنمويا ذا أبعاد اجتماعية واقتصادية. استثمارات كبيرة في البنيات التحتية، تحديث الملاعب الوطنية، وتطوير شبكات النقل والضيافة استعدادًا لاستضافة شراكة كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، شكلت خلفية مادية قوية لانتعاش اللعبة.
أكاديمية محمد السادس: مصنع المواهب
تعد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم (تأسست 2010) حجر الزاوية في استراتيجية تكوين المواهب. خرجت الأكاديمية جيلا من اللاعبين ذوي الكفاءة التقنية والاحترافية العالية، من بينهم عناصر باتت اليوم تلعب أدواراً محورية في المنتخب. يظهر ذلك بوضوح في أداء لاعبين أمثال عز الدين أوناحي الذي تحول إلى “مهندس” خط الوسط، بعدما قضى مسيرة تكوينية فرضت عليه عقلية لعب متزنة وفهمًا تكتيكيًا متقدماً.
إدارة احترافية ومنهجية فنية
نجاح المغرب لا يقتصر على البنية التحتية والتكوين، بل يشمل أيضًا إدارة نشيطة ومنهجية فنية واضحة. عمل متكامل بين الأندية، الاتحادات، والطاقم التقني مكن من تجهيز لاعبين قادرين على التعامل مع ضغوط المنافسات الكبرى. كما أدى الاهتمام بالتخطيط الرياضي، التدبير الطبي، وبرامج الإعداد البدني إلى صناعة فريق متماسك قادراً على الحفاظ على سلسلة طويلة دون هزيمة (34 مباراة حسب التقارير) ومن ثم المنافسة على أعلى المستويات.
نماذج تألق فردي وجماعي
تجسدت قوة المشروع المغربي في الأداء الجماعي واللمسات الفردية الحاسمة. سجل عز الدين أوناحي ثنائية أمام كندا مبرهناً على قدرته في قيادة منتصف الميدان، في حين ظل ياسين بونو حائط صد أمام محاولات الخصوم. كما امتدت مساهمات لاعبين آخرين، ومن بينهم أشرف حكيمي، الذي وصفته الصحافة الدولية بأنه من أفضل الأظهرة اليمنى في العالم، مما يثبت قدرة المغرب على إنتاج عناصر قادرة على المنافسة في أرفع البطولات الأوروبية والعالمية.
صدى دولي وإفريقي
اهتمام وسائل إعلام من جنوب إفريقيا وكينيا ولبنان وغيرها أظهر أن التألق المغربي يحظى بتقدير واسع عبر القارات. تصاعدت الأصوات التي تعتبر المغرب “مفخرة كرة القدم الإفريقية” وأنه بات حاملاً للواء القارة في المحافل العالمية. هذا الاعتراف الدولي يعكس تأثير الاستثمارات المحلية والنجاحات المتتالية التي بدأت بربع نهائي مونديال 2022 واستمرت بإنجازات 2026.
آفاق قادمة وتحديات
رغم الإنجازات، تبرز تحديات جديدة مرتبطّة بالحفاظ على النسق، تجديد قاعدة المواهب، وإدارة الضغوط الإعلامية والرياضية مع اقتراب مباريات حاسمة مثل مواجهة فرنسا في ربع النهائي. التحضير لكأس العالم 2030 المشترك يشكّل فرصة إضافية لتعزيز المشروع الرياضي الوطني وتحويله إلى منصة دائمة للإشعاع والفرص الاقتصادية.
المغرب النموذج
التوهج المغربي في مونديال 2026 هو نتاج رؤية استراتيجية متعمدة واستثمار طويل الأمد في البنية التحتية، التكوين، والإدارة الاحترافية. النتائج على الملعب تعكس عملاً منظماً من الأكاديمية إلى المنتخب، وتجعل من المغرب اليوم نموذجًا يُحتذى به في القارة، وحاملًا مرشّحًا لتمثيل أفريقيا في أعلى درجات المنافسة الكروية العالمية.
علي الانصاري. وكالات