بقلم: مروان شبعتو”*”
شكّلت الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، لحظة جيوسياسية دقيقة أعادت تشكيل موازين التوتر في المنطقة، وألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وفي هذا السياق الدولي المضطرب، برز المغرب كنموذج دولة استطاعت، بفضل تماسك مؤسساتها ووضوح رؤيتها، أن تدير الأزمة بكفاءة عالية وبتنسيق محكم بين مختلف السلط.
ومن خلال رؤيتي كنائب رئيس لجنة المالية وعضوا في المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أؤكد أن ما تحقق خلال هذه الظرفية الاستثنائية يؤكد نجاعة الاختيارات الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، ويجسد في الآن ذاته قدرة الحكومة على تنزيل هذه التوجيهات في سياسات عمومية واقعية وفعّالة.
لقد اختار الحزب، منذ اللحظات الأولى للأزمة، الاصطفاف في موقع المسؤولية، من خلال تعبئة كافة إمكانياته السياسية والمؤسساتية للمساهمة في حماية الاقتصاد الوطني وصون مصالح المواطنين. وفي وقت اتجهت فيه بعض مكونات المعارضة نحو قراءات ضيقة أو مواقف متسرعة، ظل وفيا لنهج الواقعية السياسية والعمل الميداني، سواء داخل الحكومة أو عبر المؤسسة التشريعية.
ويأتي هذا في سياق اقتصادي معقد، حيث يعتمد المغرب بشكل كبير على استيراد الطاقة، وهو ما جعله يتأثر مباشرة بارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت 110 دولارات للبرميل، مقارنة بالفرضية المعتمدة في قانون المالية لسنة 2026 والمحددة في حدود 65 دولارا. كما ساهمت التوترات في مضيق هرمز في زيادة منسوب القلق، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية في نقل النفط عالمياً.
في هذا الإطار، كان التحرك الدبلوماسي المغربي سريعا وحاسما، حيث قاد جلالة الملك محمد السادس اتصالات مباشرة مع قادة دول الخليج، مؤكدا تضامن المملكة الكامل معها. وقد شكل هذا الموقف الواضح مرجعية لباقي المؤسسات، التي تحركت في انسجام تام للدفاع عن المصالح العليا للبلاد وتعزيز موقعها الإقليمي.
وعلى المستوى القنصلي، تم إحداث خلية أزمة وطنية لتتبع أوضاع المغاربة المقيمين في الشرق الأوسط، مع تفعيل آليات تواصل مباشر وأرقام طوارئ لضمان سلامتهم. كما تم تدبير وضعية المواطنين المتواجدين في إيران بمرونة كبيرة، رغم غياب التمثيل الدبلوماسي، عبر قنوات غير مباشرة تؤكد براغماتية الدولة المغربية في التعامل مع الأزمات.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الحكومة، قدرة واضحة على التفاعل السريع مع تطورات الوضع، مستندة إلى توازنات ماكرو-اقتصادية متينة تم بناؤها خلال السنوات الأخيرة. وقد انعكس ذلك في مؤشرات إيجابية، من بينها تحقيق نمو بنسبة 4.8% خلال سنة 2025، مع الحفاظ على تضخم منخفض وعجز متحكم فيه.
وفي خضم هذه التطورات، جاء قرار وكالة “موديز” برفع النظرة المستقبلية للمغرب إلى “إيجابية” ليؤكد ثقة المؤسسات الدولية في صلابة الاقتصاد الوطني. كما حرصت الحكومة على طمأنة المستثمرين من خلال خطاب واضح يؤكد توفر احتياطات كافية وخطة عمل دقيقة لمواجهة أي سيناريو محتمل.
ولمواجهة صدمة ارتفاع أسعار الطاقة، اعتمدت الحكومة بقيادة عزيز أخنوش، مجموعة من الإجراءات العملية، شملت تعديلات ضريبية مؤقتة، ودعم مهنيي النقل، وتعزيز صندوق المقاصة، إلى جانب تتبع دقيق للمخزونات الطاقية. وهي إجراءات ساهمت في الحد من انعكاسات الأزمة على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى توازنات الاقتصاد.
وفي موازاة التدابير الظرفية، واصل المغرب تنفيذ رؤيته الاستراتيجية بعيدة المدى، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز بنيته اللوجستية عبر مشاريع كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، إضافة إلى دعم الدور المحوري للمجمع الشريف للفوسفاط في الأسواق العالمية.
من جانبه، لعب بنك المغرب دورا محوريا في الحفاظ على الاستقرار النقدي، حيث قرر الإبقاء على سعر الفائدة في حدود 2.25%، معتمدا على معطيات اقتصادية دقيقة وتوقعات مدروسة. كما اعتمد البنك مقاربة مرنة قائمة على تقييم مستمر للمعطيات، مع الاستعداد لتفعيل آليات تمويل دولية عند الضرورة.
وقد تميزت هذه المرحلة أيضا بمستوى عال من التنسيق بين الحكومة وبنك المغرب، من خلال خلية مشتركة لتبادل المعطيات وتوحيد الرؤية، وهو ما ساهم في تعزيز ثقة الأسواق والحفاظ على استقرار المؤشرات المالية.
في المقابل، اتسمت بعض مواقف المعارضة بالتسرع أو التناقض، سواء من خلال تبني خطابات إيديولوجية أو الدعوة إلى إجراءات قد تكون لها انعكاسات سلبية على الاستثمار والتوازنات الاقتصادية. وفي سياق دولي حساس، تبقى الحاجة ملحة إلى خطاب سياسي مسؤول يعزز الثقة ويدعم الجبهة الداخلية.
إن التجربة المغربية في تدبير هذه الأزمة تؤكد مرة أخرى أن المملكة تمتلك نموذجا متقدما في الحكامة، قائم على سرعة الاستجابة، ونجاعة التنسيق المؤسساتي، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وتحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، وبفضل عمل حكومي منسجم وسياسة نقدية متوازنة، يواصل المغرب تموقعه كدولة قادرة على الصمود في وجه الأزمات، وحماية مكتسباته الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ أسس الدولة الحديثة.
“*”نائب رئيس لجنة المالية – عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرارنائب برلماني عن إقليم ميدلت