
مع بزوغ فجر يوم عيد الفطر، تستفيق القاهرة كباقي المدن المصرية على إيقاع مغاير، تمتزج فيه السكينة بالبهجة، وتتعانق فيه أصوات التكبير مع أول خيوط النور. في الساحات الكبرى، كما في الأزقة الضيقة، تتجه الخطى نحو مصليات العيد، حيث يتجدد الموعد السنوي مع طقس ديني يتجاوز كونه شعيرة، ليغدو تعبيرا حيا عن وحدة الجماعة وعمق الانتماء.
ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند تفاصيل المكان، حيث تكتسب المصليات والمساجد ملامح استثنائية تليق بالمناسبة. ففي محافظة الجيزة، انطلقت الاستعدادات مبكرا داخل ميدان مسجد مصطفى محمود منذ العشر الأواخر من رمضان. ولم تكن التهيئة مجرد إجراء روتيني، بل عملية دقيقة تستحضر فيها رمزية المكان، حيث توزعت الجهود بين تنظيف الساحات، وفرش الأرضيات بعناية، وتعليق الزينات الضوئية في خطوط منتظمة، فيما تضاء المآذن بهدوء، وتضبط مكبرات الصوت لتصدح التكبيرات بنقاء.
وقبيل بدء الصلاة، تتشكل ملامح المشهد الإنساني في تفاصيل الوجوه وتباين الأجيال. رجال بجلابيب ناصعة، وشباب بملابس عصرية، وأطفال يختبرون للمرة الأولى رهبة الحشود وفرحة المناسبة. في هذا التنوع، تتلاشى الفوارق، وتعلو قيمة المشاركة، حيث يقف الجميع في صف واحد، يرددون ذات التكبيرات، في صورة تختصر معنى الجماعة.
ومع ارتفاع صوت الإمام، تنصت الجموع بخشوع. خطبة العيد، التي تأتي موجزة، تحمل رسائل متجددة، دعوة إلى التسامح، ونبذ الخلافات، وتأكيد على قيم التراحم والتكافل.
في هذا السياق، يقول الحاج محمود، وهو رجل تجاوز الثمانين من عمره: “في الماضي كانت الساحات أبسط، غير أن القلوب كانت عامرة بذات الفرحة. اليوم تغيرت أشياء كثيرة، لكن صلاة العيد تظل كما هي، تجمعنا في صف واحد وتذكرنا بأن الأصل هو المحبة وصلة الرحم”.
ومن بين الحشود، يقف الطفل يوسف، مرتديا ملابس العيد الجديدة، بعينين تلمعان فرحا، ليختصر المشهد بطريقته الخاصة: “أحب صلاة العيد لأنها تليها أوقات اللعب والحصول على العيدية”، قبل أن ينطلق مسرعا نحو أقرانه، تاركا خلفه ابتسامة تعكس جوهر اللحظة.
أما أبو مروان، فيرى في هذا الصباح أكثر من مجرد طقس متكرر، إذ يقول: “رغم كل الضغوط التي نعيشها، يأتي العيد كأنه استراحة قصيرة، نشعر فيها بأننا أقرب إلى بعضنا البعض، وأن هناك أشياء ما تزال بخير”.
ويضيف: “بعد الصلاة، أول ما أقوم به هو التوجه إلى منزل والدتي، حيث نجتمع جميعا حول مائدة الإفطار، أنا وإخوتي وأبناؤهم، في طقس بسيط لكنه الأهم”، كما يتابع: “الإفطار في العيد له مذاق مختلف، من الكعك والبسكويت إلى الأطباق التي اعتدنا عليها، غير أن الأهم هو +لمة العيلة+، والإحساس بأن البيت يعج بالحياة”.
عقب انتهاء الصلاة، تنبض الساحات بالحركة. مصافحات، وعناق، وعبارات تهنئة تتكرر دون أن تفقد معناها. الأطفال يركضون، والكبار يتبادلون الزيارات، في مشهد يعيد ترميم ما قد تكون الأيام قد خلفته من مسافات، فيما تمتد طقوس العيد إلى البيوت، حيث تتحول موائد الإفطار إلى فضاء آخر للفرح المشترك.