*: عمر مختار الأنصاري : كاتب وسياسي نيجري
*صراع من أجل العدالة:*
في أرض النيجر، حيث يمتزج صبر الشعب بمعاناة الفقر والجفاف، يبرز إبراهيم يعقوب كرمز للنضال من أجل الكرامة الإنسانية. وُلد عام 1971 في مارادي،عاصمة البلاد الاقتصادية وقلب النيجر النابض، ليصبح نقابيًا رفع صوت العمال، وسياسيًا حلم بديمقراطية حقيقية، وناشطًا دافع عن حقوق الإنسان محليًا وعالميًا. لكن هذا القائد واجه ظلمًا ممنهجًا من أحزاب بيروقراطية وسلطات عسكرية قامعة. إبراهيم يعقوب ليس مجرد اسم؛ بل رمز لكل مظلوم يقاوم الاستبداد من أجل العدالة. هذا المقال، لا يدافع عن شخص يعقوب فحسب، بل عن مبادئ الحق والعدالة التي يجسدها، داعيًا الحقوقيين إلى التضامن مع قضية شعب يطمح إلى الحرية والكرامة.
*جذور النضال: من رحم الصحراء إلى منبر العدالة*
في مارادي، حيث يلتقي غبار الصحراء بعرق الكادحين، نشأ إبراهيم يعقوب في أسرة متواضعة. والده، إبراهيم مايداجي، تاجر صوابي غادر قريته في ستينيات القرن الماضي، زرع في ابنه قيم التضامن.
والدته، ابنة بيرني لوكويو، حملت تراث الريف النيجري، مُشكّلةً شخصية قائد يحمل هموم شعبه.
بدأ يعقوب مسيرته الدراسية في مارادي، ثم التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة (1988-1991)، حيث أسس صحيفة “لا مارش” الطلابية، مزروعًا بذور الحوار بين الشباب. أكمل تكوينه في الجمارك بالمغرب (2006-2007)، حاصلاً على دبلوم المفتش العام، ثم دبلوم الدراسات العليا في إدارة الموارد البشرية، مُجسدًا التزامًا بالتعليم كأداة تمكين.كزوج وأب لأربعة أبناء، عاش يعقوب حياة متواضعة تتسق مع إيمانه الإسلامي، الذي كان بوصلة أخلاقية وجهت نضاله. هذه الجذور كانت وقودًا لمسيرة رجل قرر أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم في مجتمع يعاني 60% من سكانه من الفقر المدقع.
*نقابي بقلب الشعب: جسور العدالة الاجتماعية*
انطلق يعقوب كنقابي، حاملاً راية العمال في مواجهة الإهمال.
في أغسطس 2003، انتُخب رئيسًا للاتحاد الوطني لموظفي الجمارك (SNAD)، وظل في منصبه حتى 2012، مُعيدًا انتخابه مرتين لثقة زملائه. تفاوض على إصلاحات حسّنت ظروف العمل وبنى مقرًا للاتحاد كرمز للتضامن. دوره في تأسيس التنسيقية الديمقراطية للمجتمع المدني النيجيري (CDSCN) في 2005 كان حاسمًا، حيث قادت حملات للدفاع عن الخدمات العامة ومواجهة غلاء المعيشة، في بلد يعتمد 80% من سكانه على الزراعة الموسمية؛ لم يكن يعقوب نقابيًا تقليديًا؛ كان صانع تغيير، يرى في العدالة الاجتماعية حقًا إنسانيًا مستلهمًا من الشريعة الإسلامية التي تحث على التكافل.
إسهاماته في الاتحاد الديمقراطي لعمال النيجر (CDTN) بين 2003 و2006 عززت دوره كمدافع عن العمال في مواجهة نظام اقتصادي يُثقل كاهل الطبقات الشعبية.
هذه المسيرة جعلته رمزًا للأمل في النيجر، حيث يواجه المواطن تحديات الجفاف والفقر.

*ناشط عالمي: صوت الإنسانية في مواجهة الاستغلال*
امتدت رؤية يعقوب إلى الساحة الدولية.
قاد مسيرة ضد الحرب في العراق، مُنظمًا مظاهرات في نيامي للدفاع عن السلام. ترأسه للشبكة الوطنية للدين والتنمية (RNDD) جعله صوتًا للدول الفقيرة في مواجهة عبء الديون، مُجسدًا التزامًا بمبادئ الشريعة التي تحث على العدل، والمادة 28 من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي تكفل نظامًا اجتماعيًا عادلًا؛ كما ساهم في تعزيز التكامل الإفريقي خلال توليه وزارة الخارجية (2016-2018)، مُدافعًا عن مصالح النيجر في المحافل الدولية.
في الرياضة، رأى يعقوب وسيلة لتمكين الشباب؛ ترأس الاتحاد النيجري لكرة السلة (2009-2012)، وكان نائب رئيس الاتحاد النيجري لكرة القدم، ومالك نادي دان كاساوا.
هذه المبادرات عكست رؤيته لبناء مجتمع متماسك، يجد فيه الشباب فرصًا للإبداع بعيدًا عن التهميش.
*معمار الديمقراطية: دستور الأمل*
وسط العاصفةفي فبراير 2010، بعد إسقاط الرئيس الراحل مامادو تانجا، تولى يعقوب دور المقرر العام للمجلس الاستشاري الوطني، مُساهمًا في صياغة دستور 2010.
هذا الدستور كرّس أحقية المواطن النيجري في الأمن الغذائي، خطوة ثورية في بلد يُصنف ضمن الأقل نموًا. لم يكتفِ يعقوب بالنظرية؛ قدم مشروعًا شاملاً للأمن الغذائي مع آليات تنفيذ، طالبًا بتصويته في البرلمان عام 2022؛ لكن الانقلاب العسكري في يوليو 2023 أجهض هذا الحلم، مخلفًا إرثًا يشهد على التزامه بالعدالة الاقتصادية.
هذا الإنجاز يتماشى مع الشريعة الإسلامية التي تحث على إطعام الجائع، والمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
دوره جعله معمارًا للديمقراطية النيجرية، يسعى للعدالة وسط نظام سياسي مضطرب.

*الإقصاء الحزبي: خيانة تاريا لصوت الشعب*
بدأت مظالم يعقوب مع حزب الديمقراطية والاشتراكية النيجري (PNDS، “تاريا”). في 26 أغسطس 2015، طُرد بتهمة “التمرد”، لكن شعبيته المتزايدة كانت السبب الحقيقي، مهددةً النخب الحزبية المتسلطة.
هذا الإقصاء أجبره على الاستقالة من منصبه كنائب رئيس الديوان الرئاسي.
في 2016، عاد كوزير للخارجية، لكن الرئيس محمدو إيسوفو أجبره على الاستقالة في أبريل 2018، رغم إسهاماته في التكامل الإفريقي.في 2022، حاول “تاريا”، تحت قيادة محمد بازوم، استغلال شعبية نواب يعقوب، الذين فازوا بمقاعدهم بتصويت الشعب، فاستقطب حركته الوطنية النيجيرية (MPN-Kiishin Kassa) للأغلبية الحكومية، مُقدمًا له منصب وزير دولة للطاقة دون صلاحيات، مُحوّلاً إياه إلى أداة دعائية.
هذا الاستغلال يكشف عن نظام سياسي يُفرغ الديمقراطية من مضمونها الأخلاقي.
*القمع العسكري: سجن الحرية بتهم ملفقة*
أشد المظالم جاءت بعد انقلاب 26 يوليو 2023. في 4 يناير 2024، اعتُقل يعقوب بتهم “تعريض الأمن القومي للخطر” و”الخيانة”، لمطالبته بالحكم المدني، وهو حق يكفله المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
سُجن 452 يومًا دون محاكمة عادلة، في انتهاك للمادة 9 من العهد ذاته.
أُفرج عنه مؤقتًا في أبريل 2025، لكن المجلس العسكري أعاد اعتقاله في سبتمبر 2025 بتهم كاذبة تتعلق بـ”التورط في تضحيات بشرية”، اتهامات لا دليل عليها.
هذا القمع يكشف عن استغلال القضاء العسكري لإسكات الأصوات الديمقراطية.
يعقوب، الحائز على وسام النيجر الوطني ووسام الشرف الفرنسي (2017)، لا يستحق هذا الجور. سجنه ينتهك مبادئ الشريعة التي تحث على العدل، والقوانين الدولية التي تكفل الحرية.
*جدل الواقعية: التوازن بين المثالية والتسوية*
يرى البعض أن يعقوب أخطأ بالعودة إلى تحالف مع “تاريا” ولم يمتثل الحكمة النبوية: “لا يلدغ المؤمن في جحر مرتين”.
ولكن أنصاره يرون فيه قائدًا واقعيًا، يمارس “فن الممكن” لترويج مشروعه الإنساني؛ وربما سيطبق المثل الطارقي بلغة تماشق، “كراض هرتن إمدو هرت” بمعنى (ثلاث مرات هي الحاسمة)، الذي يعكس حكمة الصبر قبل الحسم.
هذا الجدل يبرز تعقيد السياسة النيجرية، حيث يدفع القادة ثمن مرونتهم.
*دعوة إلى العدالة: التضامن مع قضية الحق*
إبراهيم يعقوب رمز لكل مظلوم يقاوم الاستبداد؛ إسهاماته في دستور 2010 ومشروع الأمن الغذائي، ودفاعه عن العمال والمهمشين، تجعله صوتًا للعدالة. لكن مظالمه تكشف استهداف الأصوات الديمقراطية في النيجر.
ندعو الحقوقيين والمجتمع الدولي، بما في ذلك منظمة العفو الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى التضامن مع قضية يعقوب، مطالبين بإطلاق سراحه الفوري ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوقه.
ندعو القضاء النيجري كذلك إلى احترام مبادئ الشريعة والقانون، بضمان محاكمة عادلة أو الإفراج غير المشروط.
في زمن يعاني فيه النيجر من الجفاف والفقر، يبقى يعقوب شعلة أمل. نأمل أن تكون محنته دربًا لقيادة عادلة، تستهجن الظلم؛ وتترفع عن الانتقام، مستلهمة ذلك من نهج الأنبياء عليهم السلام؛ يوسف لاخوته : {لا تثريب عليكم اليوم}، ومن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لقومه : “أنتم الطلقاء”. فلنرفع صوت الحق، فالنيجر تستحق العدالة والكرامة.