في ذاكرة المغاربة، أسماء قليلة تبقى رغم مرور السنوات، لأن حضورها لم يكن عادياً، بل بصمة حقيقية في زمن عزّت فيه المواقف. من بين هؤلاء، يبرز اسم محمد الوفا، السياسي، الدبلوماسي، والأستاذ الجامعي الذي جمع بين الصراحة والمرح، وبين الحزم والإنسانية، حتى صار رمزاً نادراً في المشهد السياسي المغربي.
ولد محمد الوفا سنة 1948 في مدينة مراكش، المدينة التي طبعت شخصيته بطابعها الدافئ والفكاهي. بعد حصوله على الإجازة في العلوم الاقتصادية بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، واصل دراسته في باريس حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية، ثم دبلوم السلك الثالث بمعهد التنمية الاقتصادية. وفي سنة 1976، عاد إلى الوطن ليُعيّن أستاذًا مساعدًا بكلية الحقوق بالرباط، فكان مثالا للأكاديمي الوطني المتفاني في نشر العلم والمعرفة.
منذ شبابه، انخرط الوفا في صفوف حزب الاستقلال، فكان كاتبًا عامًا للشبيبة الاستقلالية بين 1976 و1984، ورئيسًا للاتحاد العام لطلبة المغرب. ومع مرور السنوات، أصبح واحداً من أبرز الوجوه داخل الحزب، وانتُخب نائباً برلمانياً بين 1977 و1997، كما ترأس المجلس البلدي لمراكش لمدة تسع سنوات، من 1983 إلى 1992. كان خطابه مختلفاً، عفوياً، مباشراً، لا يخشى قول الحقيقة حتى حين تُوجِع. ولذلك، لم يكن مجرد سياسي كلاسيكي، بل رجل موقف.
امتدت مسيرته إلى العمل الدبلوماسي، حيث عيّنه جلالة الملك محمد السادس سفيرًا للمغرب في الهند بين 2000 و2004، ثم في إيران بين 2006 و2009، وبعدها في البرازيل من 2009 إلى 2011. وفي كل محطة، حمل صورة المغرب بكرامة وذكاء. يروي مقربون منه أنه رفض ذات يوم طلبًا رسميًا من الرباط للحصول على خيام من الهند لإيواء المتضررين من زلزال الحسيمة عام 2004، قائلاً: “أنا سفير لبلد اسمه المغرب، له تاريخه، وقدرته، وكرامته. لا يمكنني أن أتسول الخيام من أحد.” تلك كانت عقيدته في العمل: عزة النفس قبل كل شيء.
حين عُيّن وزيراً للتربية الوطنية في حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2012، لم يحتج الوفا وقتاً طويلاً ليُحدث الفرق. قاد ثورة صامتة ضد الفساد الإداري داخل الوزارة، وفتح ملفات مسكوتاً عنها، أبرزها ملف “الموظفين الأشباح” الذين كانوا يتقاضون رواتب دون أداء مهامهم. لم يخش المواجهة، ولم يجامل أحداً، فكان أول وزير يعلن لائحة علنية بأسماء المتغيبين، خطوة اعتبرها كثيرون سابقة في تاريخ الإدارة المغربية. كان يقول: “المدرسة المغربية لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى رجال يشتغلون.”
في سنة 2013، حين قرر حزب الاستقلال الانسحاب من حكومة بنكيران، اختار الوفا الوفاء على الانتماء الحزبي، ورفض الاستقالة. ظل إلى جانب رئيس الحكومة، فعينه جلالة الملك محمد السادس وزيراً منتدباً مكلفاً بالشؤون العامة والحكامة. ذلك القرار الجريء كلفه طرده من الحزب، لكنه كسب ما هو أهم، احترام المغاربة.
قال عنه عبد الإله بنكيران في تأبينه: “كان اسمه يطابق صفته… الوفا رجل وفيّ. كان يزورني كل ثلاثاء بعد إعفائي من رئاسة الحكومة، نصلي معاً ونتحدث، وكان دائم الابتسام. رجل ذكي، سريع الفهم، صادق مع نفسه ومع وطنه.” كلمات تلخّص إنساناً لم تغيره المناصب، بل زادته قرباً من الناس.
يقول احد الاعلاميين البارزين: “الوفا عاش نظيفاً ومات نظيفاً. لم يُسجل عليه يوماً أنه مد يده للمال العام. كان يقول ما لا يجرؤ غيره على قوله، لأنه كان يتكلم من بطن خالٍ من العجين.” وفي زمن تتعدد فيه الأقنعة، ظل الوفا وجهاً واحداً، لا يتبدل.
في يوم أحد هادئ، 27 دجنبر 2020، أسدل القدر الستار على حياة رجل استثنائي، بعدما هزمه فيروس كورونا. رحل عن عمر ناهز 72 عاماً، تاركاً وراءه مسيرة مليئة بالصدق والمواقف الشجاعة. رحل الوفا، لكن ضحكته المراكشية، وجرأته في قول الحق، ستبقيان حاضرتين في ذاكرة كل من عرفه.
محمد الوفا لم يكن مجرد وزير أو سفير، بل مدرسة في الوطنية والكرامة. ترك وراءه درساً بسيطاً لكنه عميق المعنى، أن تكون في موقع القرار لا يعني أن تتخلى عن نفسك، بل أن تظل وفياً لما تؤمن به.
رحم الله محمد الوفا، الرجل الذي عاش نظيفاً، وقال الحقيقة ضاحكاً، ورحل شامخاً. لقد كتب اسمه بحروف من صدق، في سجل من لا يرحلون فعلاً، بل يعيشون في الذاكرة، وفي وجدان الوطن.