علي الأنصاري
شهد المغرب منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش اسلافه الميامين، عام 1999، إصلاحات كبرى على كافة المستويات، مما كان له أثر عميق وملوس وواضح على مسار ومكانة المملكة المغربية على المستوى السياسي والاقتصادي والتنموي والديمقراطي والحقوقي دوليا.
فخلال ربع قرن من حكم جلالة الملك، شهد المغرب تقدما ملموسا في ملفات استراتيجية، بفضل الرؤية المستنيرة لجلالته والتي اتسمت بمواقف مدروسة جعلت من المملكة لاعبا دوليا فعّالا في القضايا الكبرى في إفريقيا والعالم.
وفي هذا السياق عرفت ديبلوماسية جلالة الملك محمد السادس نصره الله بالتنوع والشمول بهدف تحقيق مصالح المغرب من خلال تعزيز التعاون المغربي الإفريقي، دفاعا عن الوحدة الترابية للمملكة وترسيخا لعلاقة مبنية على مبدأ رابح رابح، واعتماد التنويع في الشراكات الدولية والحكمة في إدارة التحديات واستثمار الإمكانيات الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة بشكل افضل وانجع.
باعتراف العالم، شهدت المملكة في سنوات حكم الملك محمد السادس انقلاباً إصلاحياً شاملاً في مختلف الأصعدة، جعل المغرب مثالاً استثنائياً في شمال إفريقيا، فهي الأولى في مؤشر الديمقراطية على مستوى الشمال الافريقي والأكثر تقدما على المستوى الاقتصادي واجتماعي، وهي واحة استقرار سياسي مثير للإعجاب.

الأستاذ الحسين اولودي : الديبلوماسية الملكية أرست معالم نهج جديد في التعامل مع الشركاء الأفارقة
في هذا الإطار يقول الأستاذ الحسين اولودي الباحث في الجغرافيا السياسية وعضو المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية: «ونحن في الذكرى ال 26 لعيد العرش المجيد و في سياق التحولات التي تعرفها الساحة الدولية، برزت المملكة المغربية كقوة دبلوماسية صاعدة بفضل الرؤية المتبصرة والحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي قاد بلادنا نحو تموقع استراتيجي جديد يقوم على مبادى القوة الناعمة و مرونة التحالفات الإستراتيجية و تنويع الشراكات وكذا نجاعة الخطوات في خدمة المصالح العليا للوطن “.
دعم افريقي متزايد لمقترح الحكم الذاتي
ويضيف بأن المغرب :”حقق، خلال العقدين الأخيرين، مكاسب دبلوماسية كبيرة وغير مسبوقة في ما يخص قضية الوحدة الترابية للمملكة ، حيث أصبح مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية يحظى بدعم متزايد من المنتظم الدولي” أوروبيا، اسيويا و أفريقيا ” باعتباره مقترحاً جاداً وذا مصداقية لحل هذا النزاع الإقليمي المفتعل كما وصفته الأمم المتحدة. وقد تكرس هذا التوجه من خلال فتح العديد من القنصليات لدول أفريقية و عربية شقيقة في كل من العيون والداخلة، بالإضافة إلى مواقف صريحة داعمة من دول كبرى وازنة“.
وفيما يتعلق بالشق المتعلق بعلاقات المغرب بأفريقيا في عهد الملك محمد السادس نصره الله ، يؤكد الأستاذ اولودي ، أن :”جهود المملكة المغربية في إطار الاهتمام العميق والمتواصل بالقارة الإفريقية، اختارت المملكة منذ العودة إلى البيت الافريقي الاتحاد سنة 2017- اختارت- نموذج التعاون جنوب-جنوب كإطار مرجعي للعلاقات الإفريقية، وهو تعاون قائم على التضامن، ونقل الخبرات، وتقوية القدرات، وتنفيذ مشاريع تنموية ملموسة في مجالات متعددة منها : البنية التحتية، الفلاحة، الصحة، التكوين، والطاقات المتجددة، العقار، المال والاعمال …”
إشعاع النموذج الديني المغربي المعتدل
وأوضح عضو المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية، أن :” هناك نقطة اساسية لابد من الإشارة اليها في صدد، ويتعلق الأمر بالدبلوماسية الدينية للمملكة المغربية والتي أضحت رافعة أساسية في تعزيز الحضور المغربي بالقارة الإفريقية، من خلال إشعاع النموذج الديني المغربي المعتدل الذي يجمع بين الوسطية، والاعتدال، والانفتاح على الآخر. وتضطلع مؤسسات مثل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، بأدوار محورية في تكوين أئمة من مختلف البلدان الإفريقية، وترسيخ قيم السلم والتعايش ونبذ الغلو والتطرف“.
وهو توجه يجسد، بحسبه:” رغبة المغرب الصادقة في المساهمة في استقرار وأمن وتنمية البلدان الإفريقية، ليس فقط عبر البعد الاقتصادي والسياسي، بل أيضاً عبر بعد روحي وثقافي يراعي الخصوصيات المحلية ويعزز الروابط الأخوية بين الشعوب“.
ويخلص في حواره مع جريدة الحركة بالقول :” إن الدبلوماسية الملكية، برؤيتها الواقعية وذات الأفق القاري، أرست معالم نهج جديد في التعامل مع الشركاء الأفارقة، يقوم على الاحترام المتبادل، وتغليب منطق رابح-رابح، ورفض الوصاية أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية الشقيقة سواء بالغرب الافريقي أو بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى أو بوسط أفريقيا
واعتبر أن :” هذا المسار السياسي والدبلوماسي يؤكد أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة، لا يدافع فقط عن وحدته الترابية، بل يقدم أيضاً نموذجاً للتعاون الإفريقي المبني على الفعل الميداني والتضامن الحقيقي، مما يعزز موقعه كفاعل إقليمي مؤثر وشريك موثوق به في القارة ككل، وهذه مناسبة لإعادة التذكير بالدور الريادي الذي تلعبه المملكة المغربية الشريفة في أفريقيا وطموح جلالة الملك بخصوص أفريقيا تنمويا اقتصاديا سياسيا واجتماعيا و بيئيا”.
ابرز الإصلاحات السياسية في عهد الملك محمد السادس
°تعديل الدستور عام 2011
° تعزيز مفهوم دولة المؤسسات والقانون، مع تحديث المؤسسات السياسية، ودعم المسلسل الديمقراطي وقوانين الجهوية المتقدمة التي تهدف إلى تحسين الحكامة المحلية.
°توسيع وتحسين السياسة الخارجية ، وتعزيز مكانة المغرب عربياً وإفريقيا وعالمياً كمركز إقليمي متميز
° تركيز على القارة الإفريقية: حيث اعتمد المغرب سياسة “دبلوماسية ملكية” .
°استعادة مكانة المغرب داخل الاتحاد الإفريقي.
° ربط المغرب بدول الساحل الإفريقي من خلال مشاريع كبرى مثل المبادرة الأطلسية ومشروع الغاز الذي يربط نيجيريا بالمغرب وأوروبا.
°اعتماد مقاربة سلمية ودبلوماسية من خلال طرح مبادرة الحكم الذاتي كحل لنزاع الصحراء.
°بناء علاقات قوية ومتوازنة مع مختلف الدول الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، دول آسيا وأمريكا اللاتينية، و توقيع اتفاقيات شاملة في مجالات الأمن، مكافحة الإرهاب، الهجرة والطاقة المتجددة.
تبني أسلوب دبلوماسي مرن وحكيم ومتجدد يتسم بالتخطيط الاستراتيجي والتفكير العميق، متفاعل مع التحولات الدولية.
أبرز الإصلاحات دينية:
أشرف جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بصفته أمير المؤمنين على إصلاح الحقل الديني، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المختصة وتكوين الأئمة ضمان الاعتدال ومحاربة التطرف، وتطوير وتجديد الخطاب الديني.
أهم محاور إعادة هيكلة المجال الديني :
°إنشاء مديرية للتعليم العتيق وأخرى مختصة بالمساجد.
°تعيين مندوبين جهوية وإقليمية للإشراف على تدبير الشؤون الدينية ميدانياً، وتحسين التشريعات المتعلقة بأماكن العبادة وضمان شفافيتها وتمويلها الشرعي.
°تفعيل دور المجالس العلمية: تم تعيين أعضاء من علماء ذوي كفاءة، مع إشراك المرأة في هذه المجالس، وتكليف المجلس العلمي الأعلى باقتراح الفتاوى الدينية.
°تحويل رابطة علماء المغرب إلى الرابطة المحمدية لعلماء المغرب بهدف تعزيز دور العلماء الرسميين وتأطير الخطاب الديني الرسمي.
°ضبط أماكن العبادة وخدماتها، ووضع آليات شفافة لتمويل الوقف، وتأسيس مؤسسات للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين.
°مواجهة التشدد والتطرف ضمن استراتيجية شمولية لتعزيز وسطية الإسلام المغربي والحد من تسلّل الأفكار المتطرفة التي تهدد الأمن الروحي والاجتماعي بالمغرب.
°تجديد الخطاب الديني وتجفيف منابع التطرف لتحصين الهوية الدينية المغربية عبر الالتزام بالمرجعية المالكية والإشعاع الوسطي المعتدل، مع تشجيع الانفتاح على الثقافات الأخرى.
أبرز الاصلاحات الحقوقية:
°تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004 لمعالجة انتهاكات الماضي وجبر الضرر عن الضحايا، وإرساء دولة الحق والقانون.
°تعزيز حماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية والشفافية.
°تحسين دور المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية.
°إصلاح مدونة الأسرة عام 2004، شمل رفع سن الزواج إلى 18، ومنح حق الطلاق، وحضانة الأطفال، والوصاية، مع تعديلات تشريعية تقيد تعدد الزوجات بموافقة الزوجة.
°تطوير الحق القانوني وحماية الحريات عبر دستور 2011 الذي عزز حماية الحقوق والحريات، واستقلال السلطة القضائية، وأرسى مؤسسات مستقلة للدفاع عن الحقوق.
°تعزيز حرية التعبير والإعلام، حيث شهدت الصحافة المستقلة ازدهاراً.
°إصلاح منظومة العدالة بما في ذلك تحسين آليات العمل القضائي، وتحديث القوانين، وفتح المجال أمام المرأة لممارسة مهنة القضاء، وذلك انسجاماً مع مبدأ المساواة.
°إنشاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسات خاصة مثل مؤسسة الوسيط لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز حماية الحقوق المدنية.
ابرز الإصلاحات الاقتصادية:
شهد الاقتصاد المغربي في عهد الملك محمد السادس تطورا ملموسا نتج عنه تضاعف الناتج الداخلي الخام والدخل الفردي ثلاث مرات، وتوسيع الطبقة الوسطى وتخفيض الفقر المطلق، وفقا للإحصائيات الوطنية والدولية وذلك بفضل إطلاق مشاريع بنية تحتية كبرى كالطرق، الموانئ، المطارات، والقطار فائق السرعة، ودعم قطاعات استراتيجية كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة وتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز القطاع الخاص وتنويع مصادر الاقتصاد.
أبرز ملامح الإصلاح الاقتصادي:
تحسين مناخ الأعمال والبنية التحتية
تبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز الشفافية والحكامة .
الاستثمار المكثف في البنية التحتية للنقل وتحديث الموانئ وتطوير شبكة السكك الحديدية
خلق الأقطاب الصناعية والاقتصادية الجهوية ودعم القوة التصديرية للمقاولات .
تقوية منظومة المراقبة المالية للبنوك ولسوق الرساميل وأسواق العملة .
تنويع المنتجات المالية وتأسيس القطب المالي للدار البيضاء كمنصة للتمويل على المستوى الإفريقي .
تخفيف شروط الصرف لإدماج العملة المغربية تدريجياً في المنظومة الدولية .
إصلاحات جبائية شملت إصدار القانون العام للضرائب، والضريبة على الشركات، والضريبة على القيمة المضافة، بهدف تحقيق العدالة الجبائية وتوسيع الوعاء الضريبي .
إصلاح الإطار العام لمنظومة المحاسبة العمومية، وإصلاح صندوق المقاصة، ونظام الصفقات العمومية.
تنويع الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية.
دعم الاستثمار الخارجي في الصناعة وتنمية “مهن المغرب العالمية” .
تحسين العرض السياحي الوطني .
تبني سياسة متقدمة في الطاقات البديلة .
تنويع الشراكات الدولية: المغرب عزز علاقاته الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، إفريقيا، وآسيا، ما فتح أسواقًا جديدة ووفر فرصًا لتنويع الصادرات وتقليل الاعتماد على أسواق محددة.