بقلم: يونس أيت الحاج
ظهر الديكتاتور التونسي قيس سعيّد مستعرضًا صورًا مؤلمة لأطفال ورضّع في قطاع غزة، أمام مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولص، ووهو في نفس الوقت صهر ترامب. لكن ما كان يمكن أن يكون موقفًا إنسانيًا مبدئيًا، تحوّل سريعًا إلى عرض بطولي درامي بنكهة شعبوية، أثار الجدل أكثر مما أثار التعاطف.
وبينما كان سعيّد يتلو كلماته بنبرة خطابية ويشير إلى صور الأطفال، لم يكن المشهد يخلو من رمزية التحدي لواشنطن، لكنه في الوقت نفسه جاء محمّلًا بما يشبه لأسلوب ترامب في “الاستعراض السياسي”، حيث الكاميرات حاضرة، لكن الفرق هو ان والمضمون موجه لا إلى الضيف الأميركي بل إلى جمهور الداخل الباحث عن بطل، حتى ولو كان بطلاً على الورق.
سعيّد قال بمرارة وهو يلوّح بصورة طفل يتضور جوعًا: “هل هذه هي الشرعية الدولية؟ إنها تتهاوى يوما بعد يوم”، قبل أن يضيف وهو يشير إلى كومة من الرمل، أن الطفل في غزة “لم يجد سوى التراب ليأكله”. كلام مؤلم بلا شك، لكن ألم يكن من الأولى أن يتحوّل هذا الغضب العارم إلى مبادرة سياسية عملية أو دعم ميداني ملموس، بدلًا من توظيف المأساة كخلفية استعراضية جديدة في مسيرته الشعبوية؟
النقاش ليس حول وجع غزة، الذي لا خلاف عليه، بل حول توقيت وأسلوب هذا الظهور الذي اعتبره كثيرون محاولة مكشوفة لسرقة الأضواء من المأساة، وتحويلها إلى نقطة “بوز” جديدة في سجل سعيّد، الذي يبدو أنه بات يتقن لغة العناوين المدوية.
وإذا كان الرئيس التونسي صادقًا في غيرته على أطفال غزة، فليترجم كلماته إلى فعل سياسي حقيقي، وليتقدّم الصفوف نحو الضغط على الأنظمة الحليفة، أو يشارك في قوافل الدعم الممنوعة من العبور، بدل الاكتفاء بعرض الصور وتوجيه اللوم من قاعة مكيّفة في قصر قرطاج.
الإنسانية ليست في إظهار الصور، بل في تغيير الواقع خلف تلك الصور. أما أن تتحول المعاناة إلى مشهد يؤديه “ترمب شمال إفريقيا” كما وصفه بعض التونسيين ساخرين، فهو أمر يثير الريبة.