بقلم: ابتسام مشكور
من قال إن أكبر تحد يواجه المملكة استعدادا لاستقبال مونديال 2030 هو بناء الملاعب وتشييد الفنادق وتجميل واجهات المطارات فقد اختزل أزمة المغرب فـ”le Beton”، أي الزفت والإسمنت.
الحقيقة أن الورش الحقيقي ليس عمرانيا بل أخلاقيا والمباراة الأصعب لن تُلعب فوق عشب الملعب بل على أرصفة الشوارع، وفي سيارات الأجرة، وعند مكاتب المطارات، ووحدات الاستقبال.. وفي الفصول الدراسية وداخل البيوت حتى.
إنه رهان سلوكي حضاري تربوي لا تحله “الكاميرات الذكية” ولا المذكرات الأمنية والدوريات التي تتناسل داخل الإدارات الترابية.
جريدة “لوموند” الفرنسية لم تبالغ حين قالت قبل أيام إن المغرب يواجه خطر “اللامدنية” L’incivisme” أكثر من تحديات البنية التحتية في المونديال، لأن أخطر ما يهددنا حقيقة في 2030 ليس تأخر الأشغال بل تأخر الوعي.
الصورة المقززة التي شاهدها المغاربة والعالم لمعتصم “خزان بني ملال” وهو يعتدي على رجل الوقاية المدنية بتلك الهمجية، كانت أكثر من مجرد مشهد عابر، كانت تشخيصا مؤلما لحالة الغليان الأخلاقي في المجتمع، نحن ببساطة ننتج يوميا جيلا من القنابل الموقوتة التي قد تنفجر في أي لحظة وفي أي مكان.
كلنا شاهدنا قنينات الغاز تتحول إلى متفجرات في ليلة عاشوراء، الفوضى، الصراخ، الرعب، مشاهد مواجهات أمنية أقرب إلى منطقة حروب منها إلى أحياء مغربية في مناسبة دينية.
مشهد واحد كاف ليؤكد أننا فقدنا السيطرة على التوقيت وعلى التوازن وعلى تربية الأجيال.
ورغم كل هذا، هناك من لا يزال يراهن على الضبط الأمني، وكأنه العصا السحرية التي ستحول الفوضى إلى حضارة. لا يا سادة، الخلل ليس في “الضبط” بل في “القابلية للانضباط”.
الدولة قد تؤمن الملاعب لكن من سيؤمن عقول الجمهور.
الخلل يا سادة ليس في تزفيت الطرقات، بل في“الزفت الحقيقي” العالق في بعض العقول “المزفتة” لا في الشوارع.
باشا سطات عندما صرخ “عيطوا لابيجي” أظهر وبدون قصد كيف أن السلطة عند بعض رجال الدولة لا تزال تدار بالصراخ وبالوعيد لا بالحكامة والرزانة “لي عيط للإعلام معرفش يعيط للدولة”.
صراخ بدل الحلم، تخويف بدل الاحتواء، ردع بدل الإصلاح.
وزارة الداخلية تتحرك نعم، الاجتماعات تعقد، الخطط ترسم، المذكرات الأمنية تتناسل. لكن ماذا عن ورش الإنسان.
من يتكفل بصناعة الضمير وغرس الاحترام وتحصين المجتمع من نفسه.
لا يمكن إدارة كل الأمور من قمرة قيادة الداخلية لوحدها، كما لا يجب أن يحاسب الجهاز الأمني لوحده في كل إخفاق “طاحت الصومعة علقوا الداخلية”. كلنا مسؤولون.
كلنا استقلنا من تربية أمة عمرها 12 قرنا، وكلنا سنتحمل ثمن هذا الإفلاس الأخلاقي.
نحتاج إلى ثورة هادئة.
تستفيق فيها الأسرة من غيبوبتها وتقوم بوظيفتها التربوية.
تؤسس مدرسة تعلم الاحترام لا المقررات فقط.
يحصن فيها الفضاء العام من الابتذال والفوضى والعدوانية.
يتربي فيها رجل السلطة على الحكامة لا “الغوات” والتخويف.
يزرع الإعلام القيم لا التفاهة والابتزاز.
يؤمن النظام أن أقصر طريق للشعب هو الكرامة.
تستثمر الملايير في تأهيل الإنسان قبل العمران.
اليابان أُبيدت بقنبلتين ذريتين لكنها اختارت أن تنهض من نقطة الإنسان لا من ناطحات السحاب.
علموا أبناءهم أن الدقيقة ثمينة لا أن “لي بغا يربح العام طويل”.
أن الاعتذار شجاعة لا إهانة.
أن القانون ليس عدوا بل مرآة للكرامة.
واليوم هي خامس قوة اقتصادية عالميا تصدر السيارات والتكنولوجيا وقبلها النظافة والأخلاق بسجون 53% منها فارغة ومعدل جريمة منخفض.
أما نحن
فنملك تاريخا من 12 قرنا ونمارس السياسة وكأننا للتو بالأمس “قطر بنا السقف”.
نصبغ الأرصفة ونخدر العقول كل أربع سنوات بلون سياسي جديد لكننا نعجز عن صبغ مدنيتنا بقيم المواطنة والاحترام.
نبني مطارات متطورة بخدمات متأخرة ورديئة جدا.
نشيد ملاعب عالمية ثم نملؤها بجمهور يشتم الملة والأم والحكم والجار والعشيرة دون تمييز.
لا نريد فقط تأمين مونديال 2030 بل نريد تأمين مستقبل بلدنا وسلوك أبنائه.
نريد أن تدرس الأخلاق قبل الجغرافيا وأن نخرج معلمين يربّون لا موظفين ينتظرون التقاعد.
أن نسلح الشرطة بالحكمة لا فقط بالهراوات.
أن تدرك الدولة أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر بل في البشر.
وإلا فسننظم “مونديالا” بشعار “يا لمزوق من برا اش خبارك من الداخل”.
ن راهن على مغرب يشرفنا بتحضر مواطنيه لا فقط بكاميراته ومدرجاته.
فلنصلح الإنسان قبل فوات الأوان أو بالأحرى قبل أن تنطلق صافرة الحكم.