*وم ع: محمد حدادي
للحج أسرار نورانية ونفحات ربانية تستعصي على الكلمات، ويعجز أبلغ تعبير عن وصفها، تكاد لا تختزلها سوى مشاهد توافد جموع الحجيج الظمأى إلى صعيد مشعر منى، إيذانا ببدء أعظم رحلة إيمانية، يحضرها نحو مليوني حاج بأكف ضارعة، ودموع حرى ودعوات ملحة مفعمة بالآمال والتلبية.
هي لحظات أثيرة لدى النفوس، ملؤها الخشوع، يسعى فيها ضيوف الرحمان إلى التقرب من الخالق البارئ، في أوقات هي مظنة للاستجابة خلال هذا اليوم الأغر، انقطاعا إلى الله وهجرة إلى رضاه، في تجرد من مشاغل الدنيا وهمومها، في أجواء إيمانية مفعمة بالتقوى.
سعي روحاني عميق ومتواصل من أجل بلوغ طمأنينة الإيمان الراسخ وتجديد العهد مع الله، والشعور بالانتماء إلى أمة واحدة متعددة الشعوب والأعراق، تتحدث اللغة الإيمانية والروحية نفسها، منذ أولى خطى الطواف بالكعبة المشرفة بالبيت العتيق.
ولعل من الأسرار التي تفيض على من يؤدون هذا الركن، شعور المرء بمدى ضآلته إزاء عظمة هذا الحدث المهيب، في غمرة انخراط الملايين من الحجيج في الحركات والسكنات ذاتها، وفي ذات الصلوات والتسبيح خلال وقت واحد، تلهج ألسنتهم بتلبية واحدة، لا فرق فيهم بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، فيما يزداد التقارب بينهم على اختلاف لغاتهم وشعوبهم.
على أن هذه المشاعر تتأجج في يوم عرفات، على نحو خاص، لدى الوقوف بجبل الرحمة، ما يذكي في الحنايا مشاعر الارتباط والتمسك المكين بقيم هذا الدين الحنيف في جوهرها وصفائها، حيث تتعالى الدعوات إلى الله في هذا اليوم الذي ليس له مثيل من الأيام، لما يكتسيه من صبغة خاصة ومنزلة جليلة ضمن باقي مناسك الحج.
هي لحظات تنوب فيها الدموع عن الكلمات في أي وصف أو أي محاولة للتعبير عما يختلج نفوس الحجيج، وهم يناجون ربهم ليمن عليهم بمغفرته وتوابه، بعد أن تجشموا وعثاء السفر وعناءه من كل بقاع الدنيا، وهم أشد حرصا على الاحتفاظ بتفاصيل هذه التجربة الروحية راسخة في أذهانهم، يودون لو يوصدون دونها نوافذ النسيان.
ومن أسرار شعائر هذه الفريضة كذلك السعي إلى التحلي بالصبر والتسامح وكذا الحرص على الإيثار ومساعدة الغير، سعيا إلى تعزيز النفس بملكة التقوى وتدريبها أكثر فأكثر على الإتيان بكل ما يقرب إلى الإيمان الراسخ والقطع مع المعاصي تحقيقا لحياة آمنة مطمئنة.
في هذه الربوع تبدو كل بقعة من البقاع المقدسة وكأنها تود لو تحكي وتحكي ألف قصة وقصة من تاريخ تليد ضارب الجذور في عمق التاريخ، مفعم بحكايا رجال عظام كانت لهم صولات وجولات في بناء صروح الحضارة الإسلامية في شتى ضروب العلوم ومناحي الحياة، أو قصص أشخاص بسطاء أوتوا من كل بقاع الدنيا سعيا لأداء ركن يتمم دينهم.
تجدر الإشارة إلى أن حصة المملكة المغربية من الحج بلغت 34 ألفا، أدى 22 ألفا و400 منهم هذه الفريضة ضمن التنظيم الرسمي، و11 ألفا و600 ضمن تنظيم وكالات الأسفار. وقد انطلقت أولى الرحلات من المغرب يوم 14 ماي الماضي.
وقد استفاد 12 ألف حاج مغربي من مبادرة “طريق مكة”، وبلغ عدد مرافقي الحجاج 462 مرافقا، بمعدل مرافق لكل 49 حاجا في مختلف المراحل. أما البعثة الإدارية فضمت 165 عضوا، للإشراف على التنظيم والتنسيق مع الجهات السعودية، فيما بلغ عدد أعضاء البعثة الصحية 82 عضوا والبعثة العلمية 24 من علماء وعالمات.
وبلغ مجمل عدد الحجاج في العام الماضي ما مجموعه 1,833,164 حاجا، وشكلت نسبة الحجاج الوافدين من داخل المملكة العربية السعودية 12.1 بالمائة بواقع 221,854 حاجا، فيما سجلت نسبة الحجاج الوافدين من خارجها 87.9 بالمائة بنحو 1,611,310 حاجا.